تابع لضوابط التكفير والتفسيق عند اهل السنة والجماعة:
الثاني من الضوابط: أن الأحكام على الناس
لا تُقْبل إلا من أهل العلم الشرعي, كالعلماء الكبار والقضاة المختصين,
أما المبتدئون في الطلب, والخطباء المتحمسون بلا زمام ولا خطام، والكُتَّاب الذين
اختلطت مشاربهم، والطلاب الذين لم يتأهلوا لذلك؛ فليس لهم الحق في الخوض في
الأحكام على الأفراد, وإلا أفسدوا أكثر مما يصلحون, والواقع يشهد بذلك، فقد كفَّر
بعضهم بعضًا بعد تكفيرهم المجتمعات، وكثير من الأفراد، فلما اختلفوا في بعض المخالفين
لهم؛ رَجع بعضهم على بعض بالتكفير، وهذا من شؤم الغلو والإفراط!!
والأدلة السابقة في التحذير من القول على الله بغير
علم شاملة لهذا أيضًا, ولو فُتح هذا الباب لمن دبَّ ودرج لأفسد أمة بأسْرها!!
ومن العجب أنك تجد بعض الطلاب إذا سُئل عن أحكام المسح
على الخفين, أو الشُّفْعة, أو الكفارات؛ قال: لا أدري, سلُوا العلماء – ويُشْكر على
ذلك- فإذا سئل عن مسائل الكفر والإيمان, ومسْح الرقاب, وإزهاق الأنفس؛ أفتى في
المجتمعات والأفراد بجسارة لا توصف!! فهلا تورّع عن العظيم الخطير, كما تورع عن القليل
اليسير؟! ألا يسعه في الثانية ما وسعه في الأولى, فيقول: لا أدري, سلُوا العلماء؟!
ألا يحمد الله عز وجل أن كفاه الله بمن يتولى هذه الأحكام ويكفيه المؤنة؟! لماذا هذه
الجرأة في غير موضعها؟ لماذا هذه التضحية بالحسنات وتوزيعها على العِبَاد بسبب
ظلمهم، وأي ظلم أعظم من التكفير لهم بالمجموع؟ فإذا نفدت الحسنات؛ طارت سيئات العِبَاد
من ميزانهم إلى ميزانه, ظلمات بعضها فوق بعض!!
قال الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
في رده على من خاض في قضايا التكفير بدون أهلية: "...لا يتكلم فيها –أي
في مسائل التكفير- إلا العلماء من ذوي الألباب, ومن رُزق الفهم عن الله, وأُوتي
الحكمة وفَصْل الخطاب, والكلام في هذا يتوقف على ما قدمناه, ومعرفة أصول كلية لا يجوز
الكلام في هذا الباب وفي غيره لمن جهلها, وأعرض عنها, وعن تفاصيلها..." اهـ
([1]).
الثالث: الحكم على الناس - لاسيما في أمر التكفير-
يجب أن يكون بعَدْلٍ وورع:
قال تعالى: [يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] {المائدة:8} وقال تعالى: [وَأُمِرْتُ
لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] {الشُّورى:15}
وقال سبحانه: [وَإِذَا
قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] {الأنعام:152}
وقال عز وجل: [إِنَّ
اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ] {النحل:90}
.
ومن صُور عدم العدل أو الإجحاف:
أ- إطلاق الحكم على الجميع لخطأ فرد من جماعة أو طائفة،
دون النظر إلى موقع هذا المخطئ في هذه الطائفة؟ وهل هذا قول كبارها وأئمتها، أو
قول أحد علمائها، أو مجرد أحد أفرادها؟
ب- الأحكام بِوَكْسٍ أو شَطَطٍ على المخالف والموافق,
وانظر موقف اليهود من إسلام عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- .
جـ- عدم أَخْذ كلام الرجل جميعه, وحَمْل بعضه على
بعض لمعرفة حقيقة قوله، قبْل تحميله ما لم يدُرْ بخَلَده من عقائد ومقالات.
د- نسبة القول
المنسوخ أو الخطأ إلى الرجل مع العلم بتراجعه عنه.
هـ- إغفال القرائن التي تحف الكلام فتزيل
مشكله, وتوضح غامضه, سواء كان ذلك في السياق والسباق واللحاق، الذي لا يتجرد عنه
كلام العقلاء، أو كان ذلك مما لا يُفْهَم إلا من خلال معرفة المنهج العام للرجل في
غير هذا الموضع المشْكِل الموهِم، فالكلمة الواحدة يقولها رجلان, فتكون ذَمًّا في حق
بعضهم, ومدحًا في حق الآخر, باعتبار منهجه العام الذي يسير عليه، ففي «مدارج
السالكين»([2])
ذكر الإمام ابن القيم – رحمه الله- كلامًا لأبي إسماعيل الهروي الملقب بـ(شيخ
الإسلام)، ظاهره القول بالاتحاد، وهذا قول فرقة ضلَّت ضلالاً بعيدًا، ومع ذلك فقد حمله
على محمل حسن - مع تخطئته إياه في العبارة- ثم قال: «والكلمة الواحدة يقولها
اثنان، يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة
القائل، وسيرته، ومذهبه، وما يدعو إليه، ويناظر عليه، وقد كان شيخ الإسلام -قدّس
الله روحه-([3])
راسخًا في إثبات الصفات، ونَفْي التعطيل، ومعاداة أهله، وله في ذلك كُتُبٌ، مثل
كتاب «ذم الكلام» وغير ذلك مما يخالف طريقة المعطلة والحلولية والاتحادية...»الخ
اهـ.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق