الأربعاء، 19 يوليو 2017

تابع لــ:
ضوابط وأصول التكفير والتفسيق عند أهل السنة والجماعة

4- ومن الأمور التي يُنَبَّه عليها: أن الخطأ في إكفار مسلم أعظم عند الله من الخطأ في الحكم بإسلام كافر:
واعلم أن الخطأ في هاتين المسألتين ليس سواء, وكثير ممن اختل عندهم الميزان الشرعي في باب التكفير, وغَلَوْا في ذلك؛ يهدِّدون مخالفيهم بأن الخطأ فيهما سواء, ويقولون لمخالفهم: كما تُنكر علينا الإقدام على التكفير لمسلم في نظرك؛ فنحن ننكر عليك الإحجام عن تكفير الكافر في نظرنا، والذي تسمية أنت -خَطَأً- مسلمًا!! وهذه مكيدة يصطادون بها كثيرًا ممن لم يستبصر بأدلة هذا الباب, فيندفع في تكفير المسلمين، خشية أن يقع في الحكم بغير ما أنزل الله إن لم يكفِّر الكافر!! وبيان خلل ذلك من وجوه:
(أ) لقد وَرَدَ التحذير من التجرؤ على تكفير المسلم, والخطأ في هذا الباب دون أهلية لذلك، ولم يرِدْ مثله في الخطأ في إبقاء حكم الإسلام على مسلم وقع في مُكَفِّر: قولاً أو فعلاً, أو اعتقادًا, أو الخطأ في الحكم بإدخال كافر في الإسلام أظهر شعيرة من شعائر الإسلام.
فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "أيّما امرئ قال لأخيه: يا كافر, فقد باء بها أحدهما, إن كان كما قال؛ وإلا رجعتْ عليه"([1]) وفي رواية([2]): "لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق, ولا يرميه بالكفر؛ إلا ارتدت عليه, إن لم يكن صاحبه كذلك"وفي رواية أخرى([3]): "من لعن مؤمنًا؛ فهو كقتله, ومن قذف مؤمنًا بكفر؛ فهو كقتله" ولما قال عابد بني إسرائيل لفاجرهم : والله لا يغفر الله لك أبدًا([4]) قال تعالى كما في الحديث القدسي: "من ذا الذي يتألَّى عليّ؟ هل كنتَ بي عالماً؟ أم كنتَ على ما في يدي قادراً؟ اذهبوا به - أي بالرقيع- إلى الجنة, وبهذا - أي العابد المتجرئ على الله- إلى النار" فقال أبو هريرة: قال كلمة أَوْبقتْ دنياه وآخرته.
فهذه أدلة كلها في التحذير من الإفراط في التكفير والتفسيق, فأين الأدلة التي وردت في مقابلها بتهديد من أخطأ في الحكم بإسلام كافر إذا كان مُدَّعِي التسوية مصيبًا؟!
(ب) المتأمل في سيرة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يجد أنه كان يقبل إسلام الأفراد, والجماعات, والقبائل في الوفود بمجرد كلمة "أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدًا رسول الله" مع أن بعضهم قد يُسْلم طمعًا في دنيا, أو خوفاً من سيف, أي عن رغبة أو رهبة, ولا يُخْلِص دينه لله, كالمنافقين, فكان قبول دخولهم في الإسلام سهلاً, ثم تجري عليهم أحكام الإسلام مباشرة, حتى لو كان دخولهم فيه بكلمة واحدة, أو بإشارة, أو بكلمة ظاهرها سيء، لكنهم ما قصدوا هذا المعنى، كبني جُدَيْمة عندما قالوا: "صبأنا" وقد عجزوا عن قولهم: "أسلمْنا" أو نحو ذلك.
 وأما إخراجهم من الإسلام بعد دخولهم فيه فيكون بعد الاستتابة, وإقامة الحجة, والاستفصال, وإزالة الشبهة, وقَطْع العذر, ولم يأت قبل الحكم بإسلامهم إمهالهم عدة أيام حتى يتعرفوا على الدين من جميع جوانبه، وحتى لا يُحكم لهم بالإسلام إلا بعد ثبوت تيقنهم بكل ما هو مطلوب منهم إذا دخلوا في الإسلام!! وسيأتي - إن شاء الله تعالى- موقف رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِنْ حاطِبٍ عندما والَى المشركين, وكيف استفصل في دوافع فعله المحرَّم، وهذا دليل على الفرق بين الإدخال في الإسلام لمن كان كافرًا في الأصل، وبين إخراج المسلم من الإسلام بعد دخوله فيه, وكل هذا من باب الترغيب في الدخول في الإسلام, والمبالغة في حَقْنِ الدماء, والعمل بالظاهر دون الغوص في السرائر، أما مذهب الغلو في التكفير للأفراد والمجتمعات فيغلِّب جانب إهدار الدماء، وإخراج المسلمين من الإسلام جماعاتٍ وأفرادًا, وهذا بخلاف مقصود الشرع.
ومن الأدلة على ذلك: قصة الرجل المشرك الذي كان إذا مَالَ على طائفة من المسلمين قتلها, وأنزل بها النكاية، فلما رآه أسامة بن زيد - حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وابن حِبِّه- أخذته الغيرة الإيمانية على الدماء المسلمة التي عَبَثَ بها هذا المشرك, فلما رفع عليه السيف ليقتله, قال المشرك عندما رأى بريق السيف: لا اله إلا الله, فظن أسامة أنه ما قالها إلى تعوذًا من السيف؛ إذْ لو كان مؤمنًا حقًّا لردعه إيمانه عن فعله بالمسلمين قُبيْل كلمته هذه بقليل, فقتله أسامة غضبًا منه لله عز وجل، ولدينه، وأوليائه, فلما علم رسول الله - صلى الله عليه وعلى وآله وسلم- بذلك أنكر عليه، وقال: "أَقَتَلْتَهُ بعد أن قال لا إله إلا الله" فاعتذر أسامة بما سبق, ولولا إنكار رسول الله - صلى عليه وعلى آله وسلم- عليه؛ لكان لعذره وجاهة عند كثير من الناس لما سبق, لكن العبرة في إنكار رسول الله - صلى عليه وعلى آله وسلم- لا فيما اعتذر به أسامة, فقد قال أسامة معتذرًا: ما قالها إلا تعوذًا يا رسول الله, فقال له رسول الله - صلى عليه وعلى آله وسلم-: "هلا شَقَقْتَ عن قلبه لتعْلَم أقالها تعوُّذًا أم لا؟" فقال أسامة -وقد أدرك خطأه-: استغفر لي يا رسول الله, فقال له رسول الله - صلى عليه وعلى آله وسلم-: "كيف أنت إذا جاءت لا إله إلا الله يوم القيامة"؟! فكرر أسامة طلب الاستغفار, ورسول الله - صلى عليه وعلى آله وسلم- لم يَزِدْ على قوله: "كيف أنت إذا جاءت لا إله إلا الله يوم القيامة"؟! حتى قال أسامة: حتى تَمَنَّيْتُ أني لم أكن أسلمْتُ قبل يومئٍذ!!([5]).
وجه الشاهد من القصة: أن رسول الله - صلى عليه وعلى آله وسلم- حَكَمَ بإسلام الرجل لمجرد الكلمة التي قالها مع قيام الشبهة حوله, وهي أنه قال ما قال تعوُّذًا من السيف، لا رغبة في الإسلام، وقَبِل من الرجل إسلامه دون تردد، وأهمل العمل بالشبهة في حالة الدخول في الإسلام، كأن يرفض كلمته للشبهة، أو يتوقف في الحكم بإسلامه مدة من الزمن، حتى يطمئن إلى صحة قصده واختياره للإسلام عما سواه من الأديان!! وأما الشبهة إذا قامت حول مسلم ثبت إسلامه، ثم وقع في مكفِّر, وكان هناك احتمال بتكفيره, واحتمال آخر ببقائه على الإسلام؛ حَكَمْنا ببقائه على الإسلام, حَقْنًا لدمه، وعملاً بالأصل المتيقَّن حتى يثبت خلافه، فالشبهة تُراعَى عند الإخراج لا عند الإدخال, وهذا من باب تغليب حقن الدماء على إهدارها, فهل يستويان مثلا؟!
نعم لا يلزم من الحكم بالإسلام عدم التحري مطلقًا، فقد حكم الله بإيمان المهاجرات، مع طلب الامتحان لهن، بسبب الشبهة الطارئة على صدقهن في الهجرة والإيمان، ولما سينبني على ذلك من ردّ المهر للكفار، وغير ذلك، ومع وجود الشبهة القوية، ومع وجود الأمر بالامتحان؛ فقد حكم الله بإيمانهن، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {الممتحنة:10}  فسمّاهن سبحانه وتعالى مؤمنات مع الشبهة والأمر بالامتحان، إنما جُعِل الامتحان لما سيترتب على ذلك من أحكام، ومنها جواز نكاحهن، ولاشك أن هذا لا يُكتفى فيه بمجرد الظاهر، فلا تعارض بين قبول إسلام من أظهر ما يدل على إسلامه وبين التحري والحذر.
وبنحو ذلك ما ذكره المقداد بن الأسود – رضي الله عنه- لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا رسول الله, أرأيت لو أن رجلاً ضربني بسيف, وأراد قَتْلِي, فقطَع يدي, ولاذَ مِنِّي بشجرة, فلما تَمكَّنْتُ منه؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله, أفأضربه؟ قال: "لا تقتلْه؛ فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله, وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"([6]).
وللعلماء كلام في تفسير المراد بالمنزلة هنا: هل هي منزلة الإسلام والكفر, أم منزلة عصمة الدم وإهداره مع بقائه على الكفر؟ وهذا لا يهمنا في هذا المقام، إنما يهمنا أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد حَكَم بإسلامه وعِصْمة دمه مع الشبهة، وهذا بخلاف صنيع المخالفين.
وبنحو ذلك أيضًا قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] {النساء:94} وسبب نزولها الذي يذكره المفسرون: أن سرية من المسلمين مرُّوا على رجل في غُنيمات له, فلما رآهم؛ فرِح بهم، وقال: السلام عليكم، فقتلوه, ظنًّا منهم أنه ما قال ذلك إلا تَعوُّذًا من السيف, فنزلت الآية تأمرهم بالتثبت والتبين, بل ذُكِر الأمر بالتبين مرتين في آية واحدة؛ لأهمية التبين قبل الإقدام على تكفير مسلم, وقتله, ولم يؤمر بالتبين في الحكم بدخول كافر في الإسلام مع وجود احتمال أنه ما أسلم إلا مكيدة في الإسلام, وقد سبق بيان حُكْمِ الله تعالى بامتحان المؤمنات المهاجرات لما قامت حولهن شبهة, ومع ذلك سماهن مؤمنات, ولم يكفِّرهن، أو يحكم بالتوقف في الحكم بإسلامهن، فلا هن مؤمنات، ولا هن كافرات، فإن ذلك مصادم لصريح الآية: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ......] {الممتحنة:10} وكذا الحكم بإسلام المنافقين مع ما يظهر من خبيث سرائرهم في لَحْنِ القول، كل هذا يدل على أن الشريعة جاءت بالتسهيل في قبول ما يدل على الإسلام, وأما الإخراج من الإسلام فشديد, ولذا فلا بد من استيفاء شروط ذلك وانتفاء موانعه، فأين التسوية المزعومة بين الأمرين؟!
(ج) ومما يدل على الاستفصال عند ورود الاحتمال في الإخراج من الإسلام: قصةُ حاطب بن أبي بلتعة – رضي الله عنه- عندما أرسل كتابًا إلى كفار قريش، يخبرهم بتجهيز الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم – جيشًا لفتح مكة([7]) وسمى الله عز وجل هذا الفعل موالاةً للكفار, فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] {الممتحنة:1} فسمى الله فعله موالاة للكفار, وإلقاءً وإسرارًا بالمودة إليهم, وَوَصَفَ مَنْ فَعَل ذلك بأنه قد ضل سواء السبيل, ومع ذلك لم يُكَفِّر حاطبًا بعينه, بل ذكر الخطاب للمؤمنين، فقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا.....] وحاطِبٌ داخل في عموم ذلك, لأن الموالاة تنقسم إلى قسمين, موالاة تامة مُكَفِّرة, وهي ما كانت عن حب لدينهم, ورغبة في نصرتهم, وإجلال وتقدير لهم, وموالاة ناقصة غير مُخْرِجة من الإسلام، وهي ما كانت عن حب في دنياهم, مع كراهية دينهم الباطل.
وقد نهى الله عن موالاة الكفار, فقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] {المائدة:51}  وقال تعالى: [بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا(139) ]. {النساء}.  ويقول سبحانه: [أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] {الحشر:11} .
وقد قال القرطبي ([8]): "مَنْ كَثُرَ تَطَلُّعُه على عورات المسلمين, ويُنَبِّه عليهم, ويُعَرِّف عدوهم بأخبارهم؛ لم يكن بذلك كافرا, إذا كان فعله لغرض دنيوي, واعتقاده على ذلك سليم, كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد, ولم ينو الردة عن دينه" اهـ.
وقول الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لحاطب: "ما حَمَلَكَ على ما صنعتَ يا حاطب"؟ دليل على التريُّث قبل إطلاق التكفير على أمر يحتمل التكفير وما دونه, وإذا كان الأمر لا يحتمل إلا التكفير؛ فهناك أمر زائد على ذلك وهو: أنه ينبغي التريُّث حتى نتأكد من استيفاء شروط الحكم بالتكفير أو التفسيق وانتفاء موانعه, أم لا؟ فإذا تخلّف شرط, أو وُجِدَ مانع؛ فلا تكفير ولا تفسيق.
ولما حمل عمر - رضي الله عنه- فِعْلَ حاطب على الكفر الأكبر - وهو النفاق الموجب لضرب العنق- بَّين له النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن الأمر ليس كذلك, ولما قال حاطب: والله يا رسول الله, ما فَعَلْتُهُ رغبةً في الكفر, ولا رِدَّةً عن ديني, ولكن لكل واحد منكم قرابة في مكة,وأنا أعلم أن الله ناصرك, وليس لي عندهم قرابة, و لي صبيان عندهم, فأردت أن تكون لي يد عندهم؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "صَدَقَ حاطب" فلما استأذن عمر في قتله؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "ما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وفي هذا الجواب فوائد:
1- العبرة بجواب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا باستئذان عمر في القتل؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رد على عمر رأيه بقتل حاطب، وإن لم يَرُدَّ عليه رأيه بقتْل من دلَّ على عورات المسلمين في الجملة.
2- قول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في أهل بدر ليس معناه: وإن كَفَرَ الرجل من أهل بدر فهو مغفور له, لأن الكفر يحبط عمل صاحب الرسالة لو فرضنا إمكان وقع ذلك منه, - فضلاً عن البدري- إلا أن الله عز وجل عصم الرسل من الكفر والكبائر، ومع ذلك فلو وقع هذا منهم لحبط عمل من وقع منه ذلك لقوله تعالى: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ] {الزُّمر:65}  فهل يكون من شهد بدرًا أعظم مكانة عند الله من صاحب الرسالة ؟
3- معلوم أن الذنوب ثلاثة أقسام: صغائر, وكبائر, وشرك, فالصغائر تُغْفَر باجتناب الكبائر، وذلك حُكْم عام لأهل بدر وغيرهم, لقوله تعالى: [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا] {النساء:31}  أي نكفِّر مادون الكبائر، وهي الصغائر, ومعلوم أيضًا أن الشرك لا يُكَفِّره إلا التوبة، لقوله تعالى: [إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا] {النساء:48}  وهذا عام في أهل بدر وغيرهم, إذًا فماذا بقي خصيصة ومزية لأهل بدر عن غيرهم، كما يدل الحديث السابق؟ لم يبق لهم إلا قسم الكبائر, فغيرهم لا يُكَفِّرها في حقهم إلا التوبة, وإلا فهو معرَّض للوعيد, أما أهل بدر فيغفر الله لهم بالتوبة, أو بشهود بدر, وإن كان أهل بدر أتقى لله وأعلم به من إصرارهم على صغيرة فضلاً عن كبيرة, فظهر من هذا أن جواب رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على عمر يشير إلى أنها موالاة من قسم الكبيرة لا من قسم الشرك الموجِب للنفاق والقتل.
والمقصود هنا: أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي قَبِلَ إسلام مَنْ قتله أسامة لنطقه بالشهادة مع الشبهة، وحذَّر المقداد من الإقدام على قتْل من قَطَع يده, وقد أراد قتله لنطقه بالشهادة مع وجود الشبهة أيضًا, وودى بني جذيمة الذين قتلهم خالد, ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا, فقالوا, صبأْنا, صبأْنا, وقال: "اللهم إني أبرا إليك مما صنع خالد"([9]) قاله مرتين، وقَبِلَ إسلام الوفود مع احتمال أن يكون بينهم أحد من المنافقين الذين مردوا على النفاق من الأعراب الذين هم حول المدينة, وهو - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يْعلَمهم, والله عز وجل وحده الذي يعلمهم، كل هذا في جهة الإدخال في الإسلام، ولما حَدَثَ مِنْ حاطب أمر يحتمل التكفير وغيره - وهذا في جهة الإخراج من الإسلام- لم يحمِلْه رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الكفر, بل سأله واستفصله, وصدّقه على قوله, بأنه لم يفعل ما فعل رغبة في الكفر, وأنكر على عمر عندما حمل فعله على النفاق, واستأذن النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ضَرْب عنقه, وإن كان غير حاطب قد يفعله نفاقًا وردة، كل هذا يدل على أن الشريعة جاءت بالتسهيل والتيسير في أمر الدخول في الإسلام, والتشديد في أمر الإخراج منه, فكيف يُدَّعى أنهما سواء؟!
(د) ومن الأدلة على التفرقة قاعدة: الخطأ في العفْو أسهل من الخطأ في العقوبة، وهي مأخوذة من عمومات في الشريعة، ومن حديث: "لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"([10])، وهو مع ضعفه من جهة الإسناد؛ إلا أنه موافق لمقاصد الشريعة:
وذلك أن من أخطأ في العفو, وظهر له خطأه بعد ذلك؛ فإنه يمكنه الاستدراك لما فاته, بخلاف من أخطأ فكفَّر رجلاً, فقُتل هذا الرجل رِدَّةً, ثم اتضح بعد ذلك أن الحكم بكفره كان خطأ, فلا يمكن الاستدراك بعد ذلك!!
(هـ) قاعدة: ادرأوا الحدود بالشبهات, وقد رُوي ذلك مرفوعًا، ولا يصح([11]).
 (و) من حُكِمَ له بالإسلام فلا يخرج منه إلا بيقين,وحصول اليقين لا يكون مع وجود شك أو احتمال, بخلاف الحال عند الحكم بدخوله الإسلام.
فهذه أدلة ظاهرة على عدم التسوية بين الخطأ في تكفير مسلم, والخطأ في الحكم بإسلام كافر, وأن الأول أعظم عند الله, وسيرة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تدل على ذلك أيضًا, والله أعلم.
5- كلامنا في هذا البحث إنما هو في الرجل المسلم المحكوم بإسلامه, إذا وقع في مُكَفِّر, فلا بد عند إخراجه من الإسلام الذي ينتمي إليه من مراعاة شروط وموانع, أما الكافر الأصلي – الذي لم يدخل في الإسلام أصلاً: كتابيًّا كان أو وثنيًّا- فردًا كان أو طائفة, أو أمة, فليس كلامنا في ذلك, بل من حكم على اليهود والنصارى بأنهم مسلمون؛ فهو إما جاهل ملبَّس عليه, أو شاك في حكم الله, أو معاند والأمران الأخيران مُكَفِّران؛ والجاهل الملبَّس عليه يُعَلَّم, فقد حَكَمَ الله بكُفْر هؤلاء في القرآن في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: [لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ] {البيِّنة:1}  وقوله تعالى: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ] {المائدة:73}  وقوله سبحانه: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] {المائدة:17}  وقوله تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] {المائدة:82}  وقول رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "والذي نفس محمد بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني, ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أُرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار"([12]) لذا فقول من قال: "من لم يكفِّر الكافر فهو كافر" محمول على من لم يُكَفِّر الكفار الأصليين الذين صرح القرآن وصرحت السنة بتكفيرهم، وكذلك مَنْ صَرَّح  الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكفره بعينه كفرعون, وأبي لهب, وهامان, وقارون...الخ، أما المسلم الذي فعل فعلاً، واختُلف في تكفيره بسبب الأمر الطارئ عليه، سواء كان ذلك للاختلاف في الدليل: هل هو صريح في التكفير أم لا؟ وكذلك إذا سلمنا بتصريح الدليل على الكفر؛ فهل المعيَّن قد استوفى شروط التكفير أم لا؟ ففي هذه الحالة أو تلك لا تُطبَّق قاعدة: "من لم يُكفِّر الكافر؛ فهو كافر" والحال كذلك، والله أعلم.
6- يجب الحذر من مجالسة الدعاة إلى هذا الفكر الغالي في الأحكام على الآخرين, والحذر من كتبهم، ورسائلهم، ومواقعهم على شبكة "الانترنت" وغيرها، وكذا يُحذر من مجالسة الدعاة إلى التفريط في باب الأحكام على الآخرين, والطامسين لمعالم الدين وقواعده في الولاء والبراء، والتحذير من صور الشرك، فكلاهما حاكم بغير ما أنزل الله, وقد قال تعالى: [وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ] {النساء:140} ويقول سبحانه: [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] {الأنعام:68} والنصوص كثيرة عن السلف في عدم مجالسة مَنْ أَحْدَثَ في الدين, إلا بتفاصيل معروفة عند أهل العلم, والله أعلم.
- وبعد الفراغ من هذه الأمور التي لزم التنبيه عليها؛ فهذا وقت الشروع في ذكر الضوابط والأصول التي أكّد عليها علماء السنة, حذرًا من الإفراط والتفريط:
الأول: التكفير والتفسيق أمر أو حُكْم شرعي سَمْعي, وهو كغيره من الأحكام الشرعية من هذه الجهة, لكنه من أهم الأحكام التي يجب الرجوع فيها إلى دليل من الكتاب والسنة, فلا يجوز أن يكون التكفير, أو التفسيق, أو التبديع أو التضليل راجعًا إلى هوى, أو عصبية, أو ذوق, أو عادة, أو سياسة, أو منام, أو انتقام وانتصار للنفس...أو غير ذلك؛ لأن الحاكم بشيء مما سبق مُبَلِّغ عن الله عز وجل, فلا بد أن يستند في كلامه إلى نص شرعي, والأدلة على ذلك كثيرة, منها:
أ- قوله تعالى: [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] {الأعراف:33} ويقول تعالى: [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] {الإسراء:36} ويقول سبحانه:[إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ] {النور:15} وغير ذلك من آيات.
وقد ترجم علماء أهل السنة هذه النصوص وما في معناها ترجمة عملية واضحة في هذا الباب, فلم يُكفِّروا إلا من قام الدليل على كُفْره, بل إن من كفَّرهم ظلمًا وعدوانًا وإسرافًا لم يُكَفِّروه إذا كان لا يستحق ذلك, فالخوارج كفَّروا عليًا والصحابة - رضي الله عنهم جميعًا-، ومع ذلك لما سئل عنهم - رضي الله عنه- فلم يكفِّرهم, مع أنهم يكفَّرونه, وآل أمرهم إلى أن استحلوا دمه بالتأويل الفاسد, فلما قيل له: أُكُفَّارٌ هم؟ قال: مِنَ الكُفْر قد فرُّوا, قيل: أمنافقون؟ قال: المنافق يذكر الله قليلاً، وهم يذكرون الله كثيرًا, قيل له: فما هم؟ قال: قوم بغوْا علينا، فقاتلناهم([13])، فلم ينتصر لنفسه ولإخوانه الذين قُتلوا في القتال – وهم أفضل من ملئ الأرض من الخوارج- ولم يقل: لقد كفَّروني، وأنا مُبَشَّر بالجنة، ومناقبي مشهورة؛ إذًا فهم كفار، لأن من كفَّر مسلمًا بدون حق فهو أوْلى بهذه الكلمة!! هكذا فقْه أئمة الصحابة ومن بعدهم لهذه النصوص، لا فقه المتهورين.
وهذا الإمام أحمد وعلماء عصره قد كفَّرهم الجهميةُ, وعذّبوهم, وعاملوهم معاملة الكفار, وقتلوا بعض العلماء كأحمد بن نصر الخزاعي, وسجنوا الآخرين...الخ, ومع ذلك لم يكفِّرهم بأعيانهم – في الجملة- أحمد ولا غيره لجهلهم, ودخول الشبهة عليهم, وإن كانت هذه المقالة قد كفَّر السلف من قال بها، بل صرَّح بكفرهم خمسمائة من العلماء، كما ذكر أسماءهم اللالكائي في "شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة"([14])، وقال الإمام ابن القيم في "نونيته"([15]):
ولقد تقلَّد كُفْرَهم خمسون في
 
عَشْرٍ من العلماء في البلدان
  
واللالكائيُّ الإمامُ حكاه عنهم
 
بل قد حكاه قبْلَه الطبرانِي
  
  ومع هذا التكفير العام لمن قال بهذه المقالة، فقد كان السلف يصلّون وراء هؤلاء الأئمة, وهم يقولون بخلْق القرآن, ولا يرون نزع اليد من الطاعة, بل قد حَلَّل الإمام أحمدُ – أي سامح- الأئمة الذين عذبوه, ولو كانوا كفارًا عنده ما حَلَّلَهم, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-([16]).
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله- قَد عُذِّبا, وأُهينا, ومع ذلك فهما من أبعد الناس عن تكفير من أساء إليهما, دَعْ عنك من هو دونهم في الإساءة إليهما!! بل قد أفتى علماء عصر شيخ الإسلام ابن تيمية بقتله وحِلِّ دمه، فلما تغيرت الأحوال، وأراد الأمير قتل هؤلاء، فزع ليستصدر الفتوى بحل دمائهم من شيخ الإسلام، فأبى عليه، وقال: "فشرعْتُ في مدحهم، والثناء عليهم، وشُكْرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجِدْ مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حَلٍّ من حقي، ومن جهتي..." قال: "فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف – قاضي المالكية- يقول بعد ذلك: ما رأينا أفتى من ابن تيمية، لم نُبْق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا"([17]).
ومع أن العلماء ردُّوا على من خالفهم, وما تركوا لهم شاذّة ولا فاذَّة إلا ورجموها بشُهب الأدلة الساطعة, وحذّروا مِنْ طُرُق أهل الغواية والضلالة المكفِّرين لعلماء السنة؛ إلا أنه لم يُشْهَر عنهم -مع كثرتهم وتطاول القرون- أنهم كَفَّروا أحدًا ممن كفَّرهم بدون دليل شرعي, أو من باب رَدَّة الفعل، والانتقام للنفْس، ولا يلزم الإصابة في كل الحالات, إلا أن الإصابة فيهم أكثر, وهم بين أجر وأجرين, ولذا شاع عن أهل السنة أنهم يُخطِّئون ولا يكفِّرون, فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-: فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخطِّئون ولا يُكَفِّرون...الخ([18])، وهذا محمول على من كان خطؤه ليس كفرًا صريحًا, أو من وقع في الكفر الصريح لكن عن خطأ, أو تأويل, أو جهل, ونحو ذلك, فكانوا حقًّا: أعلم الناس بالحق, وأرحم الناس بالخلق, ولا يلزم من ذلك أنه لا يوجد فيهم من هو خلاف ذلك, كلا, إلا أنهم ينكرون على من خالف ذلك منهم، وإن كان من أئمتهم, فضلاً عمن هو دونه, وهم على ما فيهم في الجملة أفضل من غيرهم من الطوائف, فما كان فيهم من شر- مع إنكاره على القريب والبعيد- فهو في غيرهم أكثر, وما كان عند غيرهم من خير فهو فيهم أكثر, فلله دَرُّهم, وعلى الله أجرهم, وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى([19]).



 ([1]) أخرجه البخاري (6104) ومسلم (60) واللفظ له.
([2]) أخرجها البخاري (6045) واللفظ له، ومسلم (61).
([3]) أخرجها البخاري (6047).
([4]) وهذا مقتضى الحكم على المخالف  بالكفر وليس هو كذلك, لأن حكم الكافر عدم المغفرة له أبدا، أو تحريم الجنة عليه، أو الخلود أبد الآبدين في جهنم، فمن ولج هذا الباب بلا ضوابط تعرض لهذا الوعيد, ومن ولج بحق فهو بين أجر وأجرين.
 ([5]) أخرجه البخاري (4269) مختصرًا, ومسلم (96).
 ([6]) أخرجه البخاري (4019، 6865) ومسلم (95).
([7]) أخرجه البخاري (3007) ومسلم (2494).
([8]) "الجامع لأحكام القرآن" (18/52)
([9])أخرجه البخاري (4339).
([10]) ضعيف الإسناد؛ انظر "الضعيفة" (2197).
([11]) وقد ضعّفه شيخنا الألباني - رحمه الله- في "الإرواء" (7/343 برقم 2316).
([12]) رواه مسلم برقم (153).
([13]) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" برقم (37929) والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (591) بسند حسن.
([14]) (1/344).
([15]) "متن القصيدة النونية" (42).
([16]) انظر "مجموع الفتاوى" (7/508) ، (12/489).
([17]) انظر "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" لابن عبد الهادي (ص221).
([18]) انظر "منهاج السنة النبوية" (5/251).
([19]) انظر "مجموع الفتاوى" (12/455).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق