الأربعاء، 19 يوليو 2017

تابع لضوابط و أصول التكفير والتفسيق عند أهل السنة والجماعة

السادس: الحكم المُطْلَق أو العام لا يستلزم الحكم على المعين بذلك:
فالعلماء يُقَرِّرون أن هناك فَرْقًا بين الحكم العام, والحكم على الشخص, فَفَرق بين الحكم على القول أو الفعل أو الاعتقاد، وبين الحكم على القائل أو الفاعل أو المعتقِد، وليس كل من وقع في الكفر أو البدعة، وقع عليه الكفر أو البدعة.
ومع ذلك فإن إطلاق الحكم العام فيه فوئد, منها:
أ- بيان حكم الشرع في الأقوال والأفعال والعقائد, ولا شك أن في هذا فائدة نشر العلم, وبيان أحكام الشريعة, وفي هذا صيانة لها من الاندثار والضياع.
ب- رَدْعُ وزَجْرُ الناس عن الوقوع في المكفرات أو المفسِّقات, وفي ذلك فائدة عظيمة, وهي صيانة المجتمع المسلم من الْحَوْم حول ما حرم الله, فإن ذلك موجب لضياعه وتدميره, ولو لم يسمع الناس تحذير الشرع من القول أو الفعل الفلاني لتقحَّموا فيه عن جهل.
فظهر أن إطلاق الحكم العام بين الناس فيه صيانة للشريعة من الاندثار, وصيانة للمجتمع من المعاصي المفضية للدمار.
لكن إنزال الحكم العام على المعيَّن لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط, وانتقاء الموانع, فإذا تخلَّف شرط من شروط التكفير أو التفسيق أو التبديع, أو بقي مانع من موانع هذا الحكم على المعيَّن؛ فلا يُحكم على المعين بشيء من ذلك, والأصل أن يبقى المرء على ما هو عليه قبل إتيانه بما أتى به, حتى يتم استيفاء جميع الشروط فيه وانتفاء جميع الموانع عنه.
فعندنا مسألتان:
الأولى: مسألة التأصيل: وهي الحكم العام المأخوذ من نصوص الشريعة وقواعدها وأصولها, والخطأ في ذلك خطأ في إبلاغ الشريعة للناس, وهذه المسألة يقوم بها العلماء, وطلاب العلم, ولا بأس بالعامي الحاذق الفطن أن يحكي كلام العلماء فيها، ولا يستقل هو بحكم من عند نفسه.
الثانية: مسألة التنزيل: وهي الحكم على المعين, أو الفرد, أو القائل, أو الفاعل, والخطأ في هذه المسألة خطأ في حق مَنْ يُحْكَم عليه, وتشويه لأحكام الشريعة بوضعها في غير موضعها, ولذا فلا يقوم بهذه المسألة إلا العلماء والقضاة الذين سيترتب على حكمهم أمور معلومة في الشريعة, لكن لا بأس لطالب العلم أن ينصح الشخص, أو يحذره, أو يخبره بكلام أهل العلم فيما أتى به, كل ذلك لردع وزجر الفاعل عن فعله, أما الحكم على الشخص, ومعاملته على ضوء هذا الحكم؛ فلا يكون إلا بالرجوع إلى ولي الأمر, الذي يستدعي له جماعة من العلماء و القضاة؛ ليناصحوه, أو يستتيبوه، ويبيِّنوا له حكم الشرع فيما وقع فيه, فإن كان عنده شبهة أزالوها, وبينوا له خطأه, فإن رجع وأناب؛ فهذا من فضل الله, وهذا ما يحبه أهل الإيمان, فإنهم لا يفرحون بزلة أخيهم؛ لقوله تعالى: [إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ] {الزُّمر:7} وإن أصَرَّ وعاند؛ حكموا عليه بما يستحقه, ونفَّذَ وليُّ الأمر حكمهم في الشخص المحكوم عليه, فإن اتفق العلماء عمل ولاة الأمور بموجَب اتفاقهم, وإن اختلفوا تأنَّوْا في أمر الرجل, وإن استمر الشخص في الإصرار على ادعاء شبهة عنده؛ فإنهم سيميزون بين من يجادل بالباطل حفاظًا على أَتْباعه وأطماعه, وبين من يبحث عن الحق, وهو صادق في ذلك.
وإن لم يكن هناك وليّ أمر يقوم بذلك, واحتاج الناس إلى بيان حكم هذا الرجل - وإن لم تُطبَّق عليه الأحكام اللازمة لذلك- فلا بأس أن يجتمع علماء القُطْر, أو البلدة - إذا كانوا متأهلين لهذا الأمر- ليقوموا بما سبق بيانه, إذا أُمنت الفتنة، وكان في ذلك القيام ببعض ما أمر الله به، وإلا فالأصل النصيحة بالتي هي أحسن, وبيان الحكم الشرعي العام فيما أتي به المرء, وأما الأحكام فلا يتناولها إلا المؤهلون لها.
فإن قيل: لماذا لا يُقبل ذلك من آحاد طلاب العلم؟ فالجواب: سبق أن لا تكفير مع الشبهة والاحتمال, وأعلمُ الناسِ بالأحكام, وبدلالات الألفاظ, وبموارد الإجمال والاحتمال: هم أهل العلم والرفق والحلم, وهذه مسائل يعظم الخَطْبُ بالخطأ فيها, فلا يتناولها إلا أهلها, وقد جَرَّبنا جرأة طلبة العلم - أعني المبتدئين، والمتعجلين، والغيورين بلا ضوابط منهم- في هذا الباب, وجَرَّ ذلك مفاسد لا قِبَل للأمة بها, ولأننا عبر تاريخ المسلمين لم نعلم أن هذا الأمر قد رُدَّ إلى غير العلماء والقضاة, ولأن العلماء هم أهل العلم, والخشية من الله, والتُّؤدة والتثبت؛ فنأمن من جهتهم من ظلم أحد أو مجاملته على حساب الشريعة, بخلاف من هو دونهم في هذا كله, فحَدِّث ولا حرج، والله المستعان.
فإن قيل: ما هي الشروط الواجب توافرها, والموانع الواجب انتفاؤها قبل الحُكم على المعين؟
فالجواب: أن هذه الشروط والموانع هي:
1- العقل, ومقابله الجنون, فالعقل شرط, والجنون مانع, فلا تكليف مع الجنون, لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يَبْلُغ, وعن النائم حتى يستيقظ, وعن المجنون حتى يُفيق"([1]).
2- البلوغ, ومقابله الطفولة أو الصِّبا، وللبلوغ علامات معروفة عند أهل العلم في الذَّكَر والأنثى, وجمهورهم على أن من بلغ خمسة عشر عامًا, ولم تظهر عليه علامات البلوغ -ذكرًا كان أو أنثى- فإن الأحكام تجري عليه, أما إذا لم تظهر عليه هذه العلامات, أو لم يبلغ هذا السن؛ فلا تجري عليه أحكام التكفير أو التفسيق ونحوهما, للحديث السابق, وفيه: "...عن الصبي حتى يَبْلُغ..."
3- العلم, ومقابله الجهل, سواء كان الجهل بمعنى خُلُوّ النفس من العلم, وهو الجهل اليسير, أو بمعنى اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه, وهو من الجهل المرَكَّب.
ومن الأدلة على أن الجهل عُذْر: قوله تعالى: [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {التوبة:115} ومع أن سبب النزول في قوم استغفروا لأقاربهم المشركين، ولم يكن قد نزل نهْي عن ذلك؛ إلا أن العبرة بعموم المعنى، وليس خصوص السبب، والجاهل بالحكم في حُكْم من لم يعلم به أصلا، ومن لم يعلم بالحكم – مع عدم تفريطه- في حُكم من لم يُنَـزَّل عليه الحكم أصلاً، ولا تكليف إلا بعد العلم والبلاغ، والآية عامة في كل ما يُحكم به على المخالف بالضلال، بعد أن عُدَّ في جملة المهتدين، لقوله تعالى: [إِذْ هَدَاهُمْ] {التوبة:115} .
ومن الأحاديث:
أ- قصة الرجل الذي أوصى بنيه بإحراقه، وفيه: "لئن قَدَرَ الله عليَّ ليعذبَنَّي عذابًا ما عَذَّبه أحدًا من العالمين"([2]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرَّق هذا التفرُّق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد: من إنكاره لقدرة الله، وإنكاره معاد الأبدان وإن تَفَرَّقَتْ؛ كُفْر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه جاهلاً بذلك، ضالاًّ في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك"([3]).
ب- أهدى رجل لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راوية خمر، فقال له: "هل علمتَ أن الله قد حَرَّمها؟" فقال: لا، فسارّه رجل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "بم سارَرْتَه؟" قال: أمرته أن يبيعها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "إن الذي حرَّم شربها حرّم بيعها"([4]) ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما, هذا والخمر حرمتها أكيده، ولكن الجاهل له حكم آخر.
ج- قصة ذات أنواط ([5]): فبعض المسلمين طلبوا من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجعل لهم ذات أنواط مثل المشركين، وهي شجرة كان المشركون إذا مروا بها يُعَلِّقون بها سيوفهم، معتقدين أن هذا جالب للنصر على عدوهم، وهذا اعتقاد مكَفِّر، ولما كان هؤلاء الصحابة المتكلِّمون بذلك حدثاء عهد بالإسلام؛ عَذَرهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يحكم بكفرهم واستتابتهم، إنما حذرهم من هذه المقالة المشابهة لمقالة بني إسرائيل لموسى -عليه السلام-.
د- ولقد دَفَعَ عمرُ الحدَّ عن امرأة حديثة عهد بإسلام لما زنت، ووجدها تستهل به, أي لا تبالي بالإفْصاح عنه، ولا تكتمه, لعدم علمها بتحريم الزنا([6])، والزنا معلوم تحريمه من الدين بالضرورة، لكن الجهل في حق هذه المرأة – لحداثة عهدها بالإسلام- كان سببًا في عدم عقوبتها بموجَب فعلها.
نعم، هناك تفصيل بين من تمكن من العلم، ولم يُحلْ بينه وبين العلم حائل إلا الإعراض والزهد فيه وفي أهله، وبين من كان جهله بسبب عدم تمكنه من العلم، فالثاني معذور بخلاف الأول، لكنه حتى يصل الباحث في حال شخص ما إلى جَعْلِهِ من أحد النوعين؛ فهذا يحتاج إلى وقت، وجُهد، ونَظَر، وأثناء هذا كله: فالأصل عدم حَمْلِه على النوع الأسوأ حتى يظهر أنه كذلك.
فإن قيل: إن العلماء لا يعذرون إلا من كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية.
فالجواب من وجهين:
أ- أن هذا القول منهم على سبيل المثال لا الحصر، أو لأن الجهل في حق هذين الصنفين أكثر من غيرهما، وهذا لا يمنع من جهل بعض من يعيش في الحاضرة وما حولها جهلاً يُعْذَر به.
ب- لو سلمنا بأن كلامهم على سبيل الحصر، ثم رأينا من يقع في مُكفِّر، ولا ندري أهو جاهل أم لا، وهل جهله لكونه أحد الصنفين المذكورين أم لا؛ فمع هذا الاحتمال لا يمكن التسرع في تكفيره بعينه حتى يثبت لنا أنه ليس من هذين الصنفين، فآل الأمر أيضًا إلى عدم تكفيره قبل إقامة الحجة، وإبلاغه الحكم الشرعي فيما فعل، ومن ثَمَّ عناده وإصرارُه، أو إعراضه وعدم مبالاته!!
4- ومن شروط التكفير: قَصْد الفعل أو القول أو الاعتقاد المُكَفِّر، وإن لم يَعْلم المرء أنه كُفْر، لأنه لا يُشترط في التكفير أن يقصد الكافر فعل الكفر فيما يراه هو، لأنه لو كان كذلك لما كفر اليهود والنصارى، فإن أكثرهم كفر وهو يظن أنه يحسن صنعا، قال تعالى: [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ] {الكهف} وقال تعالى: [فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ] {الأعراف:30} فمن قصد الفعل المكفِّر - وإن لم يعلم أنه كُفْر- وعلم بأنه منهي عنه، فقد توافر فيه شرط القصد، ثم إذا ظهر أنه جاهل يُعَلَّم، فإن أصرَّ كَفَرَ بهذا، ويُنظر في بقية الشروط والموانع، أي أنه إذا بلغه حكم الله فيما أتى، فلا يُشترط أن يُسلِّم لمن يقيم عليه الحجة بذلك، شريطة ألا يكون المحكوم عليه عالمًا؛ لاحتمال أنه اجتهد ورأى في حُكْم المسألة خلاف ما يرى العالم الذي يقيم عليه الحجة – وهذا لا يكون في المسائل المجْمَع عليها-.
 والخلاصة: أنه لا يُشترط أن يقول: نعم أنا أفعل الكفر، وسأستمر على ذلك، إنما يُشترط أن يُبَلَّغ حكم الله ممن تقوم به الحجة، وأن يُخْبرَ أن ما هو عليه كُفْرٌ أكبر, فإن أصر وعاند كَفَرَ، بعد مراعاة بقية الشروط والموانع، والله أعلم.
والقصد منه عام وخاص, فالعام: هو تحقيق الإرادة الجازمة لتحقيق الفعل على وجه الرضا والاختيار, بحيث يكون الإنسان مخيرًا بين أن يفعل الفعل أولا يفعله, وهذا هو مناط التكليف.
وأما القصد الخاص: وهو إرادة فِعْل الكفر أو الفسق أو البدعة مع العلم بحكم ذلك, فقد سبق أن هذا ليس شرطًا في التكفير, والله أعلم.
والقَصْد مقابله الخطأ, فالخطأ مانع من موانع التكفير أو الفسق أو البدعة, ولهذا أدلة كثيرة, منها:
أ- قوله تعالى: [وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا] {الأحزاب:5} .
وقوله سبحانه وتعالى: [رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] {البقرة:286}  وعند مسلم ([7]) أن الله عز وجل قال: "قد فعلتُ".
ب- وحديث: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"([8]).
جـ- وحديث: الرجل الذي وجد راحلته بعد ما ضلَّتْ عليه, وأيقن بالهلكة, فقال: "اللهم أنت عبدي, وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح([9]).
والخطأ ضد الصواب, والمخطئ: من أراد الصواب فصار إلى غيره, أو من أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل.
والمقصود بالخطأ الذي يُعذر به صاحبه: هو ما صدر من باحث عن الحق مجتهد في الوصول إليه, إلا أنه لم يُوفَّق للصواب, بخلاف المخطئ بتفريطه, وتعديه حدود الله, وسلوكه السبيل الذي يُنْهَى عنها, فهذا هو الظالم لنفسه, ومن أهل الوعيد, قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- ([10])
والمقصود بالإعذار في الخطأ والنسيان - المنافييْن للقصد-: رفع الإثم والحرج, لا الحكم بأنه أخطأ في كذا أو كذا, كما لو قتل مؤمنًا خطأً, أو أتلف مال غيره, فالإثم مترتب على المقاصد والنيات, والناسي والمخطئ لا قَصْد لهما, فلا إثم عليهما, وأما رفْع الأحكام فليس مرادًا, فيحُتاج في ثبوتها أو نفيها إلى دليل آخر, قاله الحافظ ابن رجب([11]).
والخطأ في حق العلماء المجتهدين, أو طلاب العلم المؤهلين يكون عن تأويل في الاجتهاد, فخرج من باب الخطأ في التأويل: العامة وأشباههم من المتجرئين غير المؤهلين.
والخطأ في التأويل منه مذموم يأثم به صاحبه, وهو ما يُفضي إلى تعطيل أحكام الشريعة, فإنه من أكبر أصول الضلال والانحراف, حيث كان ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والرافضة والصوفية الحلولية والاتحادية في تأويل التكاليف الشرعية على غير حقيقتها, أو إسقاطها, أو الإلحاد في أسماء الله وصفاته بنفْي جميعها أو جُلِّها.
ومن التأويل ما يكون من قبل الخطأ, وتكون المخالفة دون قصد, ويكون سببها الجهل بحقيقة المراد من الأدلة.
والتأويل السائغ: ما كان من جنس التأويلات التي تتعلق بالفروع العلمية والعملية, وقد قال الحافظ: "يقول العلماء: كل متأول معذور بتأويله, ليس بآثم: إذا كان تأويله سائغًا في لغة العرب, وكان له وجْه في العلم" اهـ([12])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن المتأول الذي قَصَدَ متابعة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يُكفَّر, بل ولا يُفَسَّق إذ اجتهد فأخطأ, وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية, أما مسائل العقائد فأكثر الناس كَفَّر المخطئين فيها, وهذا القول لا يُعْرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان, ولا عن أحد من أئمة المسلمين, وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع"اهـ([13])
ومن الأدلة على أن الخطأ في التأويل مانع وعذر لمن قصد متابعة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا من قصد إفساد الدين وتدميره ما يلي:
أ- حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب؛ فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ؛ فله أجر"([14])
ب- خَطَأُ قدامة بين مظعون في استباحته شُرْب الخمر، متأولاً قوله تعالى: [لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] {المائدة:93} فدفَع عمر حُكْم الكفر عنه لتأويله, وأقام عليه الحد لشرب الخمر([15]).
جـ- فتوى ابن عباس: "إنما الربا في النسيئة" وأجاز بيع الصاعين بالصاع؛ لحصره الربا في النسيئة, فأباح بعض صور الربا المحرم عن تأويل.
د- عدم تكفير الأئمة وجماهير السلف لأهل الأهواء, رغم ما ينتحلونه من عقائد تصادم أصول الدين وقواعده, وذلك للتأويل الذي زاغوا بسببه.
الخامس: ومن شروط التكفير: الاختيار, ومقابله الإكراه, وفي كلام بعضهم جَمْع بين القصد والاختيار, وله وجْه, إذ لا يُتصور أن رجلاً يختار فعلاً وهو غير قاصد له, وعلى كل حال فالإكراه مانع من موانع التكفير والتفسيق وغيرهما.
والإكراه: هو حَمْلُ الغير قهرًا على ما ينافي رضاه واختياره, أو إلزام الغير بما لا يريده.
وله شروط:
أ- أن يكون المكرِه -بكسر الراء- قادرًا على إنفاذ وعيده.
ب- أن يكون المكرَه - بفتح الراء- عاجزًا عن دفع الضرر عن نفسه, ولو بالفرار.
جـ- أن يغلب على ظن المكرَه -بفتح الراء- وقوع ما هُدِّد به.
د- أن يكون الضرر المترتب على عصيان المكرِه -بكسر الراء- كبيرًا: كقتْل, أو قطْع عضو, أو ضرْب شديد, أو حبْس طويل, أو قطْع رزق يتضرر بقطعه, فإن كان المكرَه -بفتح الراء- من أصحاب المروءات والوجاهة؛ اعْتُبِر في حقه يسير الحبس، والشتم، والأذى المعنوي ضررًا كبيرًا, وإكراهًا, قاله الجمهور اهـ([16])، ومن الأدلة على أن الإكراه عُذْرٌ:
أ- قوله تعالى: [مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {النحل:106} والمشهور في كتب التفسير أنها نزلت في عمار بن ياسر والمؤمنين الذين عُذِّبوا في مكة.
ب- قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "رُفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه" وقد سبق.
6- ومن شروط التكفير: القدرة, ومقابلها العجز, ولا شك أن مناط التكليف الاستطاعة, فقد قال تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] {الحج:78} وقال سبحانه: [لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا] {البقرة:286} وقال عز وجل: [لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا] {الطَّلاق:7} ويقول عز وجل: [إِلَّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا(98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا(99) ]. {النساء}.
وهذا النجاشي - رحمه الله- قد عَجَزَ عن الهجرة إلى الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, وفاتته أحكام كثيرة، لم يعلم بها بسبب عدم قدرته على الهجرة, ومع ذلك أثنى عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, وصلى عليه صلاة الغائب.
فهذه شروط التكفير التي يجب توافرها, وهذه موانع يجب انتفاؤها قبل الحكم على المعين بالتكفير أو التفسيق أو نحوهما.
ومن هنا صرح العلماء بأنه لا يلزم من إطلاق الحكم العام الحكمُ على المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
فإن قيل: إنما يُعذر بالجهل في التكفير لا التبديع والتفسيق؛ فالجواب من وجوه:
1- أن الأدلة عامة، فمن فرّق فعليه الدليل.
2- أن ما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره مما لم أذكره عام، بل صريح في عدم التفسيق إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، ومن فرّق فعليه أن ينقل عنهم خلافه.
3- أن أدلة التحذير من الكفر أكثر وأشهر في الكتاب والسنة من أدلة التحذير من المفسِّقات، فإذا سلمتم بالعذر في الأكثر وضوحًا؛ لزمكم أن تُسَلِّموا بالعذر في الأقل وضوحًا، أو الأكثر خفاءً، والمشهور في كتب أهل العلم عكس هذا القول، فلا يعذرون في المكفِّرات، ويعذرون فيما هو دونها، والله أعلم.
فإن قيل: لا عُذر في الأمور الواضحة، ومنها الوقوع في المكفِّرات، إنما العذر فيما هو دون ذلك، أي في المسائل الخفية، فالجواب: أن الأدلة عامة، ومن كان مسلمًا ووقع في مكفِّر ظانًّا أنه من الإسلام – لجهله، أو خطأه، أو تأويله- فلا يُخرج من الإسلام إلا بعد إظهار مخالفته لما ظن فيه الموافق لدين، ومن نظر في صنيع العلماء مع أهل الأهواء الغلاة؛ علم أنهم لم يكفروهم بأعيانهم دون إقامة الحجة، وسيأتي من كلامهم ما يدل على ذلك، نعم إذا وقع في مُكفِّر ليس للقرْبة به معنى أو شبهة؛ فلا يُعْذر، لكن حتى يتبين هذا من ذاك؛ فلا تكفير، والله أعلم.
وقد طَبَّق السلف هذا الأصل في التفرقة بين الحكم العام والحكم على المعيَّن تطبيقًا صحيحًا, بل إن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين ذلك في قصة الرجل كان يشرب الخمر كثيرًا, ويقام عليه الحد, ويعود لشربها, حتى قال رجل: لعنه الله, ما أكثر ما يُؤتى به, فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: " لا تلعنوه؛ فو الله ما علمتُ إنه يحب الله ورسوله"([17]).
هذا, مع أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد لعن في الخمر عشرة أشياء: "عاصرها، ومعتصرها – أي طالب عصرها- وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراه له"([18]) فلما أنزل بعض الصحابة الحكم العام على المعيَّن دون علمه بمانع يمنع اللعنة في حق هذا الرجل؛ رَدَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبين له ما يمنع لعنه بعينه.
ومن أمثلة كلام أهل العلم في ذلك:
أ- قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إني من أعظم الناس نَهْيًا عن أن يُنْسَب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية, إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة, وفاسقًا أخرى, وعاصيًا أخرى" اهـ([19]).
ب- وقال أيضًا: "إن التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين, وإن تكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين, إلا إذا وُجدت الشروط, وانتفت الموانع, يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفِّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام"([20]) وقال: "حتى يقوم فيه المقتضِي - أي للتكفير- الذي لا معارض له" اهـ([21]) وقال: "لابد من إقامة الحجة, وإزالة الشبهة"([22])
جـ- وقال ابن أبي العز: "وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد, وأنه كافر؟ قلنا: لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة, فإن من أعظم البغي أن يُشْهد على معيَّن أن الله لا يغفر له, ولا يرحمه, بل يخلده في النار, فإن هذا حكم الكافر بعد الموت" اهـ([23]).

السادس: ومن ضوابط وأصول التكفير: أنه لا يُحْكم على الرجل بلازم كلامه أو مآله, إلا إذا عُرض عليه لازم قوله والتزمه، وأقرّ بأنه قوله أيضًا, وإنما يُحكم عليه بصريح كلامه, وقد يقول بعضهم: لا يلزم من الكفر في المآل الكفْرُ في الحال, أو لازم القول ليس بقول إلا إذا التزمه
وهذا من رحمة الإسلام وعَدْله؛ فقد يتكلم المرء بكلام لا يستحضر لوازمه وما يؤول إليه, فتحميله هذه اللوازم مباشرةً دون معرفة رضاه بها أم لا؛ ليس من الرحمة التي جاء بها هذا الدين, لكن إذا عُرض عليه كلامه, وأُخْبِر بلوازمه الفاحشة التي لا تنفك عنه, فإن قَبِلَها؛ فيُحكم عليه بما يستحق, وإلا كان متناقضًا, ولا يلزم من تناقضه أن يكون كافرا, فإن التناقض شيء, والكفر شيء آخر, وقد قال الشاطبي: -رحمه الله-([24]) : "والذي كنا نسمعه من الشيوخ: أن مذهب المحققين من أهل الأصول: أن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال, كيف والكافر([25]) ينكر ذلك أشد الإنكار, ويرمي مخالفه به" اهـ.




([1]) صحيح، انظر "الإرواء" (2/ صـ 4/برقم 297).
([2]) أخرجه البخاري (3481) ومسلم (2756).
([3]) انظر "مجموع الفتاوى" (11/ 409)
([4]) أخرجه مسلم (1579).
([5]) أخرجها أحمد (21900) والترمذي (2180) وانظر "ظلال الجنة" لشيخنا الألباني – رحمه الله- برقم (76).
([6]) ضعيف، أخرجه الشافعي في "المسند" ومن طريقه البيهقي، انظر "الإرواء" (7/342/2314) ويحتاج إلى مزيد نظر حديثي.
([7]) برقم (126).
([8]) صحيح، انظر "الإرواء" (1/123 برقم 82).
([9]) أخرجه البخاري مختصرًا (6309) ومسلم (2747) واللفظ له.
([10]) انظر "مجموع الفتاوى" (3/317).
([11]) انظر "جامع العلوم والحكم" (ص 352-354).
([12]) انظر "الفتح" (12/3-4).
([13]) انظر "منهاج السنة النبوية" (5/239).
([14]) أخرجه البخاري (7352) ومسلم (1716).
([15]) صحيح، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" برقم (17076) والبيهقي في "الكبرى" (8/315).
([16]) انظر "المغني" (10/353).
([17])أخرجه البخاري (6780).
([18]) أخرجه الترمذي وابن ماجه، وصححه شيخنا الألباني – رحمه الله- بشواهده في "غاية المرام" (ص54/برقم 60)، وانظر "الإرواء" تحت رقم (1529).
([19])انظر "مجموع الفتاوى" (3/229).
([20]) انظر "مجموع الفتاوى" (12/488,487,466), فالجهمية قاموا ضد أهل السنة, فقتلوا من قتلوا, وعذَّبوا، وسجنوا، واستحكمت فتنتهم أكثر من عشرين سنة, وأقامها ثلاثة من الخلفاء: المأمون, والمعتصم, والواثق, ومع ذلك فسيرة الأئمة معهم تدل على عدم تكفيرهم بأعيانهم, مع أن مقالتهم قد كَفَّر بها أكثرُ من خمسمائة عالم, قال ابن القيم في نونيته كما سبق.
([21]) انظر "مجموع الفتاوى" (3/281) (12/498) (28/500-501).
([22]) انظر "مجموع الفتاوى" (12/466).
([23]) انظر "شرح الطحاوية" (ص 357).
([24]) " الإعتصام" (2/ 197).
([25]) أي على قول المخالف, أو: الذي يلزم من قوله الكفر. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق