الأربعاء، 19 يوليو 2017

تابع لضوابط التكفير والتفسيق عند أهل السنة والجماعة :

الخامس: الأحكام في الدنيا تجري على الظاهر للعِبَاد، والله يتولى السرائر, أما في الآخرة فعلَى ما في عِلْم الله عز وجل والحقيقة, كما أن الأحكام على آخر ما عليه الرجل لا أَوَّله.
وهذه قاعدة لا شك فيها, لأن تكلف غير الظاهر مُتَعسِّر أو متَعذِّر, إذ لا يَعْلَم ما في القلوب إلا الله عز وجل, والأدلة على هذه القاعدة كثيرة, منها:
أ- قولة - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "من صلَّى صلاتنا, واستقبل قبلتنا, وأكل ذبيحتنا؛ فهو المسلم: له ما للمسلمين, وعليه ما على المسلمين"([1])
ب- وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام, وحسابهم على الله عز وجل"([2]) أي: ولستُ مُكَلَّفًا أن أطالبهم وأعاقبهم على غير ما يلزمهم في الظاهر.
جـ- وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "إني لم أُومَرْ أن أُنَقِّب عن قلوب الناس, ولا أشق بطونهم"([3])
د- الإنكار على أسامة بن زيد – رضي الله عنه- في قَتْله من قال: لا إله إلا الله, وقد سبق ذِكْره مفصَّلاً, وفيه: "هلا شَقَقْتَ عن قلبه، لتعلم أقالها تَعَوُّذًا أم لا؟"([4])
هـ- حديث المقداد بن الأسود,([5]) وقد سبق.
و- معاملة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمنافقين حسب ظاهرهم, مع علمه بسوء طويتهم, وخبث سريرتهم.
ز- قول عمر – رضي الله عنه- "إن أناسًا كانوا يُؤاخذون بالوحي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإن الوحي قد انقطع, وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا؛ أمِنَّاه وقَرَّبْناه, وليس إلينا من سريرته شيء, الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا؛ لم نأمَنْه, ولم نُصَدِّقْه, وإن قال: إن سريرته حسنة"([6]).
ومن الأدلة على أن الحكم على ما مات عليه الرجل, أي على آخر الأمرين منه، قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ] {آل عمران:91} وقوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] {البقرة:161} وقوله تعالى: [وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] {البقرة:217} وحديث: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة, حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها..."([7]).
ولو آخذنا الناس بالمنسوخ من أقوالهم، وبعقائدهم التي تابوا منها؛ لزم تكفير الصحابة – رضي الله عنهم- الذين أخرجهم الإسلام من الكفر إلى الإيمان، وهذا قول لايشك في بطلانه عاقل!!



([1]) أخرجه بنحوه البخاري (393).
([2]) أخرجه البخاري (2946) ومسلم (20).
([3]) أخرجه البخاري (4351) ومسلم (1064).
([4]) أخرجه البخاري مختصًا برقم (4269 ، 6872).
([5]) أخرجه البخاري (4019، 6865) ومسلم (95).
([6]) أخرجه البخاري (2641).
([7]) أخرجه البخاري (3208) ومسلم (2643).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق