الأربعاء، 16 أغسطس 2017

صفات العالم الرباني المؤثر

صفات العالم الرباني المؤثر
(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (30)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

يجب على العاملين في الحقل الدعوي أن يدركوا صفات معلم الناس الخير لكي يتصفوا بها؛ وهي كثيرة، ويتلخص أهمها في الآتي :
الصفة الأولى: الإخلاص.
وهو المقصود من قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5].
فـ «ما كان لله بقي واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل» كما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله.
الصفة الثانية: العلم والعمل به.
قال الله تعالى: (قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف:108].
قال ابن سيرين: «إن قوما تركوا العلم واتخذوا محاريب، فصلّوا وصاموا بغير علم، والله ما عمل أحد بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح»([1]).
ويُحكى عن لقمان أنه قال: جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بماء السماء ([2]).
فلا يحل لداعية أو عالم أن يحمل الناس على مذهبه وقوله ورأيه، وإنما يحملهم على العلم القائم على الكتاب والسنة، فإن حمَلَهم على مذهبه ورأيه فإنه لم يعمل بالعلم، وهذا باب غفل عنه كثير من المتعلمين.
الصفة الثالثة: الخوف والورع.
الخوف والورع صفتان متلازمتان، يجب وجودهما معا في كل داعية، وهما من شروط علم الجرح والتعديل في العالم المجرح؛ حيث يلزمه قبل أن ينقد غيره أو يجرحه أن يكون ورعاً حال نقده، فقد تورع علماء عن تجريح آخرين ممن يستحق الجرح، وتركوه لمن يرونه أعلم وأورع منهم، خوفاً من الظلم، وتورعاً من الزلة، لأن الحكم على الآخرين باب عظيم من أبواب الفتيا والقضاء اللذين كان السلف يتورعون عنهما.
ولذلك فالجرح: يحتاج إلى ورع تام وبراءة من الهوى وحب الظهور والانتقام والتشفي.
وقد اشترط العلماء في الرجل العالم الذي له حق التجريح أربعة شروط:
الأول: أن يكون الرجل ثقة في نفسه غير مجروح العدالة، فإن كان مجروحاً فلا يعتدُّ بقوله.
والثاني: أن يكون عالماً تقياً ورعاً، فلا يجرح لهوى أو حسد أو غرض دنيوي.
والثالث: أن يكون عارفاً بأسباب ودواعي التجريح.
والرابع: ألا يُعرف بالتعصب المذهبي.
فإذا اتفقت هذه الشروط كلها في الشخص حُقَّ له أن يكون مجرحا إن تصدر هذا الفن وشهد له العلماء بذلك، لأن مثله سوف يتصف بالعدالة والأمانة، وأما غيره فلا يحل له أن يخوض في مسالك كهذه؛ بل يترك ذلك لأهل الشأن والبصيرة؛ فهم أعرف بحال ومصلحة الأمة، وأن ينكبَّ على طلب العلم على أيدي علماء موثوقين، فإن أوقاتا عديدة تضيع على شباب الإسلام في الخوض فيما لا يعنيهم وفيما لم يُكلفوا به شرعا.
الصفة الرابعة: الحلم والأناة.
وهاتان صفتان مطلوبتان في العلماء والدعاة وطلاب العلم، فإن المتعجِّل في الأمور لا يحسن توجيه غيره.
قال الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد: «ومن يرزق الحلم ترقى في درجاته، فيصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه. ويخطئ من يظن أن الحلم عجز، وأن العفو ضعف، وأن الإعراض عن الجهل خوف وخور، ولا يقول ذلك إلا من تأخذه العزة بالإثم، وهو خلق ذميم، يتنافى مع الحلم كما ترى»([3]).
وفي صحيح مسلم يقول النبي – عليه الصلاة والسلام – لأشج عبد القيس «إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة»([4]).
فالحلم والأناة صفتا العقلاء الذين يمعنون في الأمور قبل الخوض فيها.
قال الشافعي: «استخرت الله في الرد على مالك سنة »([5]).
تأنَّ ولا تعجل بلومك صاحباً لعل له عذرًا وأنت تلومُ
الصفة الخامسة : الإنصاف.
الإنصاف في زماننا عزيز؛ لأن الأنفس أحضرت الشح عند النقد والخصام، وقلَّ من ينصف في الأمور.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [ النساء: 135].
فعلى الداعية أن ينصف غيره إذا نقده، فلا يبالغ في النقد وتحجيم القضايا؛ بل بلزمه التوسط والاعتدال في الأمور كلها مع مراقبة الله عز وجل في كل شئ يقوله، لأنه غداً موقوف بين يدي الله وسائله عن كل شئ قاله.
وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة في الإنصاف :
ومن ذلك إنصافه صلى الله عليه وسلم واعتذاره لحاطب بن أبي بلتعة الذي «كتب إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلا على أن تُبلِّغه قريشا»([6]).
فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فرد عليه بقوله: «إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»([7])، وقد جاء أن النبي صلى الله علي وسلم سأل حاطباً ليتبين هل له من عذر أو دافع يخرجه من مأزق ما ظاهره الموالاة للأعداء التي قد يظنها البعض، وهذا من إنصافه عليه الصلاة والسلام، فقال له: «يا حاطب، ما هذا؟ » قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، وكان ممن معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد صدقكم»([8]).
الصفة السادسة: حسن الخلق. وهي «صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصدّيقين وهو على التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين»([9]).
وبها تميز أهل السنة حتى سطروها في كتب العقائد كما فعل ابن تيمية في «العقيدة الواسطية».
وقد أحسن من قال:
أحب مكارم الأخلاق جهــــدي       وأكره أنْ أَعيبَ وأنْ أُعابا
وأصفحُ عن سبابِ الناسِ حلماً      وشرُّ الناسِ مَن يهوى السبابا
ومن هاب الرجال تهيبــــــوه        ومن حقر الرجال فلن يهابا
فلن ينجح الداعية في نقده ودعوته إلا بإقامة الأخلاق الفاضلة ونشرها بين المجتمعات الإسلامية، لأنها من متممات الدين ومحاسنه التي شرعها الله وحثَّ عليها في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
لذا يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثثُ لأتمم مكارم الأخلاق»([10]).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسطُ الوجه وحسن الخلق»([11]).
وقد أحسن من قال:
كل الأمور تزول عنك وتنقضي    إلا الثـــــناء فإنــــــــه لك باقِ
لو أنني خيرت كل فضـــــيلــــةٍ    ما اخترت غير مكارم الأخلاقِ
الصفة السابعة: الحكمة.
وهي الإصابة في القول والفعل، أو هي وضع الشيء في موضعه، (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [ البقرة: 269].
وقد اتصف بها العلماء الربانيون، وغابت عن بعض الدعاة اليوم ممن لا يعرف إلا لغة العنف والقسوة على المخالف.
لذا يجب على العلماء والدعاة إلى الله أن يَعُوا حقيقة الحكمة ومفهومها وكيفية مخاطبة المجتمعات على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، وأن يزنوا كلماتهم بميزان الحاجة الشرعية، وأن تكون التوجيهات والنصائح حسب مقتضى الحكمة.
فإن من أهم مقتضاها في هذا الباب: أن يعوا أن الكلمة التي تصدر منهم قد تبلغ مشارق الأرض ومغاربها في دقائق معدودة نظرا لتنوع وكثرة وسائل الاتصال في العصر الحديث، مما يقتضي التروي والتثبت قبل النقد حتى لا تصد بعض كلماتهم الناس عن الخير، وقد ثبت في الحديث: «إياك وما يُعتذر منه»([12]).
فقد يكون الداعية المجروح – ظلما – : قائماً بدعوة الاسلام في غالب أمره في بلاد الكفر أو البلدان التي انتشرت فيها البدع والضلالات والكفر وأهل السنة فيها قليل فيؤدي هذا النقد غير العدل إلى صرف الناس عن الانتفاع منه، وربما أدى ذلك لإقبالهم على أهل البدع والضلال، وقد حصل مثل ذلك كثير، وهذا إفساد عريض وصد عن سبيل الله، وحنانيك بعض الشر أهون من بعض.
وقد قيل: من عُرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار.
الصفة الثامنة : الحذر من التزلف للسلطان أو الانتماء الحزبي.
وهذان مرضان يخلان في كون الداعية ربانياً مؤثراً لأن المتزلف للسلطان سيبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ولأن الحزبي في الجماعة الحركية سيبرر أخطاء الجماعة على حساب الدين، وهذا ما نئن منه اليوم.
وقد كان سلفنا الصالح يحذرون من إتيان أبواب السلاطين إلا في مواطن لا بد منها: كالإنكار عليه بالحكمة، أو توجيهه، أو مشاورته في قضايا مصيرية، ونحوها من الأمور التي تهم البلاد والعباد، يقوم بذلك العلماء والدعاة الورعون وغيرهم من الأعيان وأهل الحل والعقد.
قال الفضيل: «شر العلماء من يجالس الأمراء، وخير الأمراء من يجالس العلماء»([13]).
فعليكم بمجالسة العلماء بعيداً عن أبواب السلاطين ومقرات القيادات الحزبية الحركية حفاظاً على دينكم واجتماع كلمتكم على كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
هذه أهم الصفات التي لا بد من توفرها في الداعية الرباني المؤثر.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم، وللكلام بقية أستأنفه في لقاء قادم بإذن الله.

—— الحواشي —–
([1]) ابن رجب، لطائف المعارف (ص117).
([2]) الأبشيهي، كتاب المستطرف في كل فن مستطرف (1/50).
([3]) صالح بن عبد الله بن حميد، مفهوم الحكمة في الدعوة (ص11).
([4]) أخرجه مسلم في صحيحه.
([5]) ابن حجر، توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس (ص147)، قال البيهقي. كما في توالي التأسيس ص 147 -: «إن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك (أي الرد على مالك) لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يُستسقى بها. وكان يقال لهم : «قال رسول الله». فيقولون: «قال مالك». فقال الشافعي : «إن مالك بَشرٌ يخطئ»، فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه».
([6]) ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد (3/398).
([7]) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث علي.
([8]) هو جزء من الحديث السابق.
([9]) الغزالي، إحياء علوم الدين (3/49).
([10] ) أخرجه أحمد في مسنده [ مسند أبي هريرة (2/381 رقم 8939)]، والحديث صحيح.
([11] ) أخرجه أبو يعلى في مسنده [ مسند أبي هريرة، حديث شهر بن حوشب عن أبي هريرة (11/428 رقم 6550]، والحديث حسن لغيره إن شاء الله.
([12] ) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، جد إسماعيل الأنصاري ( 4/94 حديث رقم 2249 )، كما أخرجه غيره، وقد حسَّنه ان حجر والألباني وغيرهما.
([13] ) الأبشيهي، كتاب المستطرف في كل فن مستطرف (1/50).

الأحد، 13 أغسطس 2017

رسالتي إلى المشايخ والعلماء.. رفقاً ببعضكم آداب ينبغي على المشايخ مراعاتها

رسالتي إلى المشايخ والعلماء.. رفقاً ببعضكم
آداب ينبغي على المشايخ مراعاتها
(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (32)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني


الأدب الأول: عذر من أخطأ من المشايخ إذا كان خطؤه في مسألة يجهل حكمها.
من المعلوم أن بعض الفضلاء يخوض في المسائل قبل الإلمام بها والوقوف على أدلتها الشرعية، ودراستها وفهمها فهما شرعياً صحيحاً فيقع في الخطأ، وهذا مما يعاب على بعضهم ، لكنه ابتداء يعذر لجهله في هذا الباب حتى يتبين له خطؤه باعتبار أنها زلة من زلاته، لأن استعجاله في الخوض فيها سبب للوقوع في الخطأ، حيث لم يقصد المخالفة المحضة للحق، وحينها يلزمه الاعتراف بالخطأ والرجوع للصواب.
الثاني: إنصاف المخالف والحذر من تحجيم الخطأ.
نقد الأخطاء من الأمور الشرعية التي لا بد منها – بشرط صحة وقوع الخطأ، وأن يكون النقد وفق ضوابط ومعايير الشريعة بعيداً عن التجني والمبالغة، فمن بالغ في النقد فقد حاد عن ميزان العدل والإنصاف، وقد حرصت الشريعة الاسلامية على الإنصاف عن الاختلاف.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: 135].
الثالث: البعد عن الدخول في النيات.
دبَّ في صفوف الكثير من الفضلاء تفسير وتعيين مقصد المتكلم في الأمور المجملة مما لا يعلمه إلا الله، وبسبب هذا المرض ظلم بعض المشايخ بعض إخوانهم من الدعاة، وفي الحديث: قال النبي عليه الصلاة والسلام لخالد: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم»([1]).
قال النووي: «فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر»([2]).
وقال رحمه الله: «إنما كلفنا بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لنا طريق إلى معرفة ما فيه»([3]).
الرابع: معرفة مقصد المتكلم قبل نقد مجمل كلامه.
قال ابن تيمية: «وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس ويتعذر على بعضهم»([4]).
وقال السبكي: «ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح أيضاً حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ، فكثيراً ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها»([5]).
الخامس: مراعاة المصالح والمفاسد عند النقد.
ينبغي للناقد أن يرعى فقه المصلحة والمفسدة قبل نقد المخالف، فلا ينقد في شيء حتى يترجح لديه أن نقده لن يؤدي إلى منكر أعظم، مما يراه منكراً.
قال ابن تيمية: «لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه»([6]).
«والقاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين»([7]).
قال ابن القيم: «إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله»([8]).
السادس: التثبت مما يشاع ويذاع.
التثبت من الأخبار المنقولة واجب شرعاً، حيث يلزم: التثبت من صحة الكلام ولفظه مع استيعاب مدلوله قبل إذاعته ونشره وعزوه.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6].
قال الشيخ صالح بن سعد السحيمي: «فإن البعض من الناس، وقد يكونون من المنتمين إلى طلب العلم؛ بمجرد أن يتلقى شائعة أو خبراً عن أحد إخوانه؛ حكم عليه من خلال هذه الشائعة؛ فربما كفره، أو فسَّقه، أو بدَّعه، أو أخرجه من السلفية، أو قوَّله ما لم يقل، أو ألزمه بما لا يلزم.
ونحن الآن أمام سيل من المؤلفات الكثيرة التي بُنِيَ كثير منها على الشائعات والإلزامات، وعلى بتر الكلام، ولا سيما لدى بعض أوساط أنصاف المتعلمين، ومن لا فقه عنده في الدين؛ فعليهم أن يتقوا الله – تبارك وتعالى-.
ثم قال حفظه الله: فعليك أن تراقب الله عز وجل في هذه الأمور الخطيرة المصيرية، وأن يكون خوف الله وخشيته هي رائدك قبل كل شيء، قبل أن تكتب كلمة، أو تنطق بكلمة أو تسجل كلمة، أو تودع كلمة في زبالات الإنترنيت ([9])، عليك أن تخشى الله، وعليك أن تتقي الله، وعليك أن تخاف الله – جلا وعلا -، وعليك أن تراقب الله سبحانه وتعالى في السر والعلن»([10]).
قال ابن تيمية: «من أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسمّ القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب»([11]).
السابع: التخلص من تجميع الأتباع وتكثيرهم لمناصرة رأي الشيخ ومذهبه.
انتشر في صفوف بعض الفضلاء مرض تجميع الأتباع وتكثيرهم لمناصرة ما يرونه من الآراء، في الوقت نفسه يسكت هؤلاء عن بعض الأتباع الذين يبالغون في الثناء عليهم ويرفعونهم مراتب فوق مراتبهم، والواجب على الدعاة توجيه محبيهم وأتباعهم نحو التمسك بالدين، وتحذيرهم من إطراء المشايخ؛ فقد رفض نبينا عليه الصلاة والسلام إطراء نفسه، وحذر أمته من ذلك، ولو كان جائزاً لجوَّزه لهم وما حذرهم منه.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد – فقولوا: عبد الله ورسوله»([12]).
فالسكوت عن الإطراء سبب في تعصب الأتباع للفضلاء وقبول آرائهم وإن كانت خطأ.
ومما يؤسف له أن بعض الفضلاء يجعل بعض العامة وصغار الطلاب ممن يتعصب له مستشارين، وهذا غلط آخر؛ فمستشار الفاضل لا يكون إلا فاضلاً، وإلا اختلت الموازين بمساواة الأسافل بالأعالي:
إذا استوت الأسافل والأعالي     فقد طابت منادمة المنايا
الثامن: تغليب الحق على الانتصار للنفس.
مما يؤسف له أن بعض المختلفين يدافع باسم الدين عن نفسه بطرق ملتوية، فأنت إذا سمعت دفاع أغلبهم أو قرأته وجدته يدافع وينافح ويتهم ويجرح انتقاماً لنفسه، يعرف ذلك الأذكياء من خلال تتبُّعهم لأصل ومنشأ الخلاف بين المتكلم والمتهم، وهذا مما ينقص مكانة مَنْ هذه حاله.
وقد أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت : «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً؛ فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تُنتهَك حرمة الله عز وجل»([13]).
و ما أحسن قول الشافعي عندما قال: «ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ»، وقال: «ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدَّد ويعان ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحفظ، وما كلمت أحداً قط وأنا أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه»، وقال: «ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته واعتقدت محبته، ولا كابرني أحد على الحق ودافع الحجة إلا سقط من عيني ورفضته»([14]).
التاسع: قبول الحق من المخالف.
قال شيخنا المحدث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: «يجب عليك أن تقبل الحق ممن اتى به، وهو حق، يجب أن تقبل الحق ممن أتى به، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال في شأن الشيطان: «صدقك وهو كذوب»([15])، وقال أيضاً كما في سنن النسائي بإسناد صحيح عن قتيلة رضي الله عنها قالت: جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنكم تنددون وتقولون: ما شاء الله وشاء محمـد، وتقولون: والكعبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حلفتم فقولوا: ورب الكعبة، وقولوا: ما شاء الله ثم شاء محمـد»([16]) وهكذا من حديث الطفيل بن عمرو في مسند أحمد وفي سنن ابن ماجة نحو هذا، فالنصيحة والحق يقبل ممن جاء به، وما فرَّق بين المسلمين إلا الجهل والسياسات»([17]).
قال ابن تيمية: «وأُمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلاً عن الرافضي قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله»([18]).
وقال ابن القيم: «ولهذا قيل: من عُرِضَ عليه حق فردَّه، فلم يقبله عوقب بفساد قلبِه وعقلِه ورأيه.
ومن هنا قيل: لا رأي لصاحب هوى، فإن هواهُ يحمله على رد الحق فيفسدُ الله عليه رأيه وعقله»([19]).
العاشر: عدم مناصرة الأقران المختلفين بعضهم على بعض.
من الأمور التي غفل عنها بعض الفضلاء مناصرة بعض الأقران على بعض دون التثبت من أصل الخلاف بينهما؛ إذ أغلبه يرجع إلى الحسد والانتصار للنفس وحب الظهور على قرينه إلا ما شاء الله.
يقول الإمام الذهبي في ترجمة الحافظ أبي نعيم الأصفهاني: « كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسدٍ لا ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين»([20]).
الحادي عشر: العذر بالاجتهاد فيما يسع فيه الخلاف.
هناك مسائل لا دليل عليها من كتاب أو سنة أو إجماع، الأمر الذي أدى إلى اختلاف العلماء في آحاد مثل هذا النوع، وفي هذا الباب يلزم العالم الأخذ بما يترجح لديه، وقد يترجح لدى عالم غير ما يترجح لدى الآخر، وحينها لا ينبغي لأحد أن يعنف آخر في مسائل كهذه.
يقول ابن القيم: «إذا لم يكن في المسألة سنَّة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل فيها مجتهداً أو مقلداً»([21]).
وقد توسع شيخ الإسلام في هذا الباب حتى قال رحمه الله: « إن المجتهد في مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق، فإن الله يغفر له خطأه، وإن حصل منه نوع تقصير فهو ذنب، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل ( الذي طلب من أهله إحراقه إذا مات) فيغفر خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه»([22]).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: «يجب على كل واحد منا أن يعذر أخاه فيما طريقه الاجتهاد، فإن اجتهاد كل واحد ليس حجة على الآخر، والحجة ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الخلاف سائغاً لم يظهر فيه العصيان والتعصب للنفس، فإن الواجب أن تتسع صدورنا له، ولا مانع حينئذ من المناقشة الهادئة التي يراد بها التوصل إلى الحق، فإن هذا هو طريق الصحابة، وأما أن نتخذ من الخلاف السائغ مثاراً للكراهية والبغضاء والتحزب، فإن ذلك خلاف طريق السلف الصالح»([23]).
الثاني عشر: العذر بالتأويل.
بعض الفضلاء يخوض في مسألة من المسائل فيخطئ فيها بسبب تأويل غير صحيح، فهذا يعذر حتى يُبين له، ومثل ذلك لا يكاد يسلم منه أحد.
وقد تقدم معنا في مقال سابق قول ابن القيم رحمه الله حيث قال: وذو النون أحد الشيوخ الذين حضروا السماع تأويلاً، وليس ذو النون بأجل من سفيان الثوري وشريك بن عبد الله ومسعر بن كدام ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم من أئمة الكوفة، الذين استحلوا النبيذ المسكر تأويلاً، ولا بأجل من عطاء بن أبي رباح وابن جريج وغيرهما ممن استحل المتعة والصرف، ولا بأجل من الأعمش والطائفة ممن استحل الأكل في رمضان بعد طلوع الفجر، ولا بأجل ممن استحلَّ أكل ذي الناب من السباع والمخلب من الطير، ولا بأجل من ممن استحل إتيان النساء في أدبارهم، ولا بأجل ممن جوز للصائم أكل البرد، ولا بأجل ممن جوز نكاح الزانية مع استمرارها على البغاء، وجوز نكاح البنت المخلوقة من مائة سفاحاً، وغير ذلك من التأويل، وكذلك الذين استحلوا قتال علي بن أبي طالب من أهل الشام، وكذلك الذين قاتلوا معه أهل العراق والحجاز، إلى أمثال ذلك مما تنازعت فيه الأمة، فليس لأحد أن يحتج لأحد القولين لمجرد قول أصحابه وفعلهم وإن كانوا من أهل العلم والدين، وليس لعالم أن يترك الإنكار عليهم وبيان ما بعث الله به رسوله لأجل محلهم من العلم والدين، فلا يحتج بقولهم ولا يؤثمهم ولا يترك الإنكار عليهم، فهذا ميزان أهل العلم والاعتدال»([24]).
وقد فسر الترمذي صاحب الجامع حديثاً في جامعه متأولاً، فوصف ابن تيمية تفسيره بأنه من جنس تأويلات الجهميةـ ولم يحكم عليه ابن تيمية ولا علماء السنة بأنه جهمي مبتدع ([25]).
الثالث عشر: الحذر من التزلف للسلطان على حساب المخالف.
افتتن بعض الفضلاء اليوم بالتقرب من السلاطين للظفر بشيء من حطام الدنيا، وربما غلب عليه الشيطان فاستعمل وجاهته عند السلطان للنيل من بعض إخوانه الذين يختلفون معه في الرأي المستساغ أو الخطأ غير المقصود، وقد رأينا بعض هؤلاء لدى بعض السلاطين وهم يقولون له : فلان وفلان – تحريضاً للسلطان على المخالف-، وبعضهم ربما حرض السلطان من خلال مذياع أو صحافة أو قناة، أو تقرير جائر يرسله لبعض الجهات الأمنية أو الاستخباراتية، وهذه من طوام بعض فضلاء العصر التي غفل عنها بعضهم، وقد كان سلفنا يحذرون من إتيان أبواب السلاطين إلا في مواطن لا بد منها: كالإنكار عليه بالحكمة، أو توجيهه، أو مشاورته في قضايا مصيرية، ونحوها من الأمور التي تهم البلاد والعباد، يقوم بذلك العلماء والدعاة الورعون وغيرهم من الأعيان ونحوهم من أهل الحل والعقد.
قال حذيفة رضي الله عنه: «إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول له ما ليس فيه»([26]).
وجاء عن كعب أنه قال: «يكون في آخر الزمان علماء يزهِّدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، ويخوِّفون الناس ولا يخافون، وينهون عن غشيان الولاة ويأتونهم، ويؤثرون الدنيا على الآخرة يأكلون بألسنتهم»([27]).
وقال الفضيل: «شر العلماء من يجالس الأمراء، وخير الأمراء من يجالس العلماء»([28]).
ولما ولِّي إسماعيل بن عُليَّة العشور، أو على الصدقات كتب إلى عبد الله بن المبارك يستمده برجال من القراء يعينونه على ذلك، فكتب إليه عبد الله بن المبارك:
يـا جـاعل الـعلم لـه بازياً    يصطاد أموال المساكينِ
احـتـلـت لـلـدنيا ولـذاتـها    بـحـيلة تـذهـب بـالـدينِ
فـصـرت مـجـنوناً بـــهـا   بـعدما كـنت دواء لـلمجانينِ
أين رواياتك فيما مضـى    عن ابنِ عونٍ وابنِ سيرينِ
ودرســك الـعـلم بـآثارهُ    فـي تـرك أبـواب الـسلاطينِ
تقول أُكرهت فماذا كـذا     زلَّ حمار العلم في الطينِ
لا تـبـعْ الـدين بـالدنيا كـما يـفعل ضـلالُ الـرهابينِ ([29])
قال الجمال اللغوي: أخبرني بعض الفضلاء: أن الأمير «عز الدين حرسك » بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه للحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه هذه الأبيات وهي قوله :
قل للأمير مقالةً   من ناصحٍ فطنٍ نبيهْ
إن الفقيهَ إذا أتى   أبوابكم لا خير فيهْ ([30])
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
وبقيت حلقة أخيرة من هذه الدراسة، نستكملها يوم غد بإذن الله.

—— حواشي ومصادر المقال ——–
([1] ) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ( تَعْرُجُ المُلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيه) [ المعارج:4] إلى آخره (6/2702 رقم 6995)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ( 2/741 رقم 1064)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.
([2] ) النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (2/107).
([3] ) المصدر السابق.
([4] ) ابن تيمية، منهاج السنة (6/193).
([5] ) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى (2/18).
([6] ) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (14/472).
([7] ) ابن باز، مجموع مقالات وفتاوى متنوعة (8/204).
([8] ) ابن القيم، إعلام الموقعين (3/4).
([9] ) قصد الشيخ صالح بزبالات الإنترنيت تلك المواضع التي يكتب فيها أصحابها بقصد الإفساد بين الدعاة وزرع الفوضى والفرقة، ولم يقصد بأن الإنترنيت خال من الخير.
([10] )صالح السحيمي، محاضرة مسجلة بعنوان: «وصايا لطلاب العلم».
([11] ) ابن تيمية، منهاج السنة (2/309).
([12] ) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجمعة (4/171 حديث رقم 3445)]، من حديث عمر.
([13] ) متفق عليه.
([14] ) انظر أقوال الشافعي في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي (1/53-54).
([15] ) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (3/1194 رقم 3101)].
([16] ) أخرجه النسائي في سننه [ كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بالكعبة ( 7/6 رقم 3773)].
([17] ) الوادعي، إجابة السائل عن أهم المسائل (ص168).
([18] ) ابن تيمية، منهاج السنة (2/199).
([19] ) ابن القيم، مفتاح دار السعادة (1/99).
([20] ) الذهبي، ميزان الاعتدال (1/111).
([21] ) ابن القيم، إعلام الموقعين (3/365).
([22] ) ابن تيمية، الاستقامة (1/163).
([23] ) ابن عثيمين، مجموع رسائل وفتاوى ابن عثيمين (26/445).
([24] ) ابن القيم، الكلام على مسألة السماع ( ص265 ما بعدها).
([25] ) ابن القيم – اختصار محمد بن محمد المشهور بابن الموصلي، مختصر الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ( ص400).
([26] ) ابن عبد البر، جامع بيان العلم ( الأثر رقم 1103).
([27] ) الغزالي، إحياء علوم الدين(1/64).
([28] ) الأبشيهي، كتاب المستطرف في كل فن مستطرف (1/50).
([29] ) الذهبي، سير أعلام النبلاء (9/110).
([30] ) السيوطي، ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين، (ص69).

الجمعة، 4 أغسطس 2017

ما يجب على الناقد قبل النقد

ما يجب على الناقد قبل النقد
(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (28)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

ليس كل من خالفك من إخوانك فيما ترجح لديك يكون قد أخطأ؛ بل ربما أصاب، وأنت من أخطأ؛ لأن الترجيح من الأمور النسبية، وربما أتي بشيء يحتمل الخطأ والصواب، أو بشيء يسع فيه الخلاف، وربما أنك اعتمدت على تخطئته بمجرد السماع دون التثبت، ونحوها من الأمور المحتملة.
ولذا يلزم الناقد معرفة توجيهين مهمين:
التوجيه الأول:
ما يجب قبل النقد، وهو معرفة أمرين:
الأول: معرفة وقوع الخطأ المراد إزالته من المتشبث به.
فإن الشخص إذا مَرِضَ مرضاً عضوياً اعتاد أن يذهب إلى الطبيب ليشخص له الداء، فإن عُرف الداء نظر أحسن الأدوية النافعة وأعطاها المريض، فعاد بإذن الله صحيحاً معافى، فكذلك من وقع في الخطأ أو المعصية في نظر الناصح فإنه يلزمه التيقن من وقوع الخطأ قبل البدء في النصيحة، على أن يلتمس للمخطئ العلل والأسباب والمعاذير في وقوع ذلك منه، إذ لا يسلم أحد من الوقوع في الخطأ أو المعصية، وفي الحديث: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» [أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة.].
فوجود العيوب والأخطاء أمر مفروغ من وجوده في بني آدم، ولكن يبقى معرفة صحة وقوعها من المتهم بالخطأ وكيفية علاجه.
الثاني: قيام الحجة في كونه خطأ أو معصية.
فإن بعض الوعَّاظ والنصحين يتعجلون في نقد غيرهم بمجرد صدور ما ظاهره الخطأ دون التأمل في صحة كونه خطأ، أو دون النظر في قيام الحجة الشرعية في ذلك، فتجد نقد بعضهم في غير موضعه؛ إما لكونه ليس خطأً شرعا، أو أن له مسوغاً شرعيًّا، أو كون ما تكلم به أو عمل به من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، فينقد غيره أو يناصحه في أمر فيه سعة، ولا يعني هذا ترك النصيحة في الأمور المترجحة عند الناقد البصير؛ بل يجب النصح في ما يعتقد الناصح أنه يقربه إلى الله، ولكن بعلم وإلا سكت بحلم، ليترك المجال لغيره من أهل العلم.
ولذلك يجب على الناقد: أن يعلم الحجة الشرعية في أن ما صدر – ممن يحتاج إلى نصح – خطأ ينافي الشرع المطهر؛ بدليل أنه خالف أدلة الشرع، ثم إذا كان التعلق بمسألة علمية لم يحوِ أصلها وفرعها لزمه تحرير المسألة قبل النقد والنصيحة، مع النظر فيما يعاب فيه المخالف وما لا يعاب فيه مما لا يسع المقام بسطه.
وحاصل ذلك: أنه يلزم الناصح عرض ما ظاهره الخطأ على الكتاب والسنة؛ ففيهما الدواء لكل داء، وبهما يُعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ، فإن لم يجد نصاً واضحا في المسألة فليفتش في آثار الصحابة أو ليسأل أهل العلم؛ فإن الله عز وجل قال: ” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” [النحل:43]، وقد ثبت في الحديث: «فإنما شفاء العِي السؤال» [أخرجه أبو داود في سننه من حديث جابر]، ومعنى العِي: بكسر العين الجهل.
وللكلام بقية نستأنفه في حلقة قادمة حول : ” ما يجب حال النقد والنصيحة” بإذن الله.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

الأربعاء، 2 أغسطس 2017

أقوال العلماء في التحذير من فتنة التجريح

بيان  من سماحة العلامة الوالد / عبد العزيز بن عبد الله بن باز ( رحمه الله )
في من يتكلمون في أعراض العلماء

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد
فإن الله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الظلم والبغي والعدوان، وقد بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بما بعث به الرسل جميعاً من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، وأمره بإقامة القسط ونهاه عن ضد ذلك من عبادة غير الله ، والتفرق والتشتت والاعتداء على حقوق العباد .
وقد شاع في هذا العصر أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير يقعون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين ، يفعلون ذلك سراً في مجالسهم ، وربما سجلوه في أشرطة تنشر على الناس ، وقد يفعلونه علانية في محاضرات عامة في المساجد وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به رسوله من جهات عديدة منها
أولا: أنه تعد على حقوق الناس من المسلمين ، بل خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم وتصحيـح عقائدهم ومناهجهم ، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات، وتأليف الكتب النافعة
ثانياً: أنه تفريق لوحدة المسلمين وتمزيق لصفهم، وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة والبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال فيما بينهم، خاصة وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة المعروفين بمحاربة البدع والخرافات والوقوف في وجه الداعين إليها، وكشف خططهم وألاعيبهم، ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق او من أهل البدع والضلال
ثالثاً: أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين وغيرهم من الملاحدة الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة ، والكذب عليهم والتـحريض ضدهم فيما كتبوه وسجلوه، وليس من حق الأخوة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعجلون أعداءهم على إخوانهم من طلبة العلم والدعاة وغيرهم
رابعاً: إن في ذلك إفسادا لقلوب العامة والخاصة ونشراً وترويـجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة وسبباً في كثرة الغيبة والنميمة وفتـح أبواب الشر على مصاريعها لضعاف النفوس الذين يدأبون على بث الشبه وإثارة الفتن ويـحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا
خامساً: أن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها وأغراهم بها وقد قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً... ) الآية ، والمؤمن ينبغي أن يـحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل وقد قال بعض السلف : لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً
سادساً: وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد فإن صاحبه لا يؤاخذ به ولا يثرب عليه إذا كان أهلاً للاجتهاد فإذا خالفه غيره في ذلك كان الأجدر أن يـجادله بالتي هي أحسن حرصاً على الوصول إلى الحق من أقرب طريق، ودفعاً لوساوس الشيطان وتـحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة ، ودون تهجم أو تجريـح أو شطط في القول قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه، ودون تعرض للأشخاص أو اتهام للنيات أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في مثل هذه الأمور: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا
فالذي أنصح به هؤلاء الأخوة الذين وقعوا في أعراض الدعاة ونالوا منهم أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم ، أو تلفظت به ألسنتهم مما كان سبباً في إفساد قلوب بعض الشباب وشحنهم بالأحقاد والضغائن، وشغلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيل والقال، والكلام عن فلان وفلان، والبحث عما يعتبرونه أخطاء للآخرين وتصيدها وتكلف ذلك
كما أنصحهم أن يكفروا عما فعلوه بكتابة أو غيرها مما يبرؤون فيه أنفسهم من مثل هذا الفعل ويزيلون ما علق بأذهان من يستمع إليه من قولهم ، وأن يقبلوا على الأعمال المثمرة التي تقرب إلى الله وتكون نافعة للعباد وأن يـحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" متفق على صحته
ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر من كلام أهل العلم أو غيرهم أن يرجعوا إلى العلماء المعتبرين ويسألوهم عنه ، ليبينوا لهم جلية الأمر ويوقفوهم على حقيقته ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبهة عملا بقول الله عز وجل في سورة النساء : (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً) .
والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، ويـجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى وأن يوفق جميع علماء المسلمين وجميع دعاة الحق لكل ما يرضيه وينفع عباده ، ويـجمع كلمتهم على الهدى ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف وينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل إنه ولي ذلك والقادر عليه
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
المرجع : مجموع الفتاوى والمقالات المتنوعة ( 7 / 316 – 319 ) ويمكنك قراءته من خلال الرابطhttp://www.islamgold.com/view.php?gid=2&rid=45


أناس يدعون أنهم من السلفية و شغلهم الشاغل هو الطعن في العلماء 
( فتوى اللجنة الدائمة
)
فتوى رقم (16873) و تاريخ 12 /2 / 1415 هـ 
الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده .. و بعد :
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي / محمد بن حسن آل ذبيان ، و المحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم ( 3134 ) وتاريخ 7 /7/ 1414 هـ

و قد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه
( نسمع ونــجد أناساً يدعون أنهم من السلفية ، وشغلهم الشاغل هو الطعن في العلماء و اتهامهم بالابتداع وكأن ألسنتهم ما خلقت إلا لهذا ، ويقولون نـحن سلفية ، والسؤال يـحفظكم الله: ما هو مفهوم السلفية الصحيـح، وما موقفها من الطوائف الإسلامية المعاصرة ؟ و جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء إنه سميع الدعاء ) . 

و بعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنه
إذا كان الحال كما ذكر فإن الطعن في العلماء ورميهم بالابتداع واتهامهم مسلك مردٍ ليس من طريقة سلف هذه الأمة و خيارها، وإن جادة السلف الصالح هي الدعوة إلى الكتاب و السنة ، وإلى ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة - رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان بالحكمة و الموعظة الحسنة و الجدال بالتي هي أحسن مع جهاد النفس على العمل بما يدعو إليه العبد ، والالتزام بما علم بالضرورة من دين الإسلام من الدعوة إلى الاجتماع و التعاون على الخير، و جمع كلمة المسلمين على الحق، و البعد عن الفرقة و أسبابها من التشاحن و التباغض و التـحاسد، و الكف عن الوقوع في أعراض المسلمين ، ورميهم بالظنون الكاذبة و نـحو هذا من الأسباب الجالبة لافتراق المسلمين و جعلهم شيعاً و أحزاباً يلعن بعضهم بعضا، و يضرب بعضهم رقاب بعض ، قال الله تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكـم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون . و لا تكونوا ....... ) 
و ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) والآيات و الأحاديث في ذم التفرق و أسبابه كثيرة

و لهذا فإن حماية أعراض المسلمين و صيانتها من الضروريات التي علمت من دين الإسلام ، فيـحرم هتكها ، والوقوع فيها، و تشتد الحرمة حينما يكون الوقوع في العلماء ، ومَن عَظُم نفعه للمسلمين منهم ، لِما ورد من نصوص الوحيين الشريفين بعظيم منزلتهم، ومنها أن الله سبحانه وتعالى ذكرهم شهداء على توحيده فقال تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة و أولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم )
والوقوع في العلماء بغير حق تبديعاً و تفسيقاً و تنقصاً، وتزهيداً فيهم كل هذا من أعظم الظلم و الإثم وهو من أسباب الفتن، وصد المسلمين عن تلقي علمهم النافع وما يـحملونه من الخير و الهدى .
وهذا يعود بالضرر العظيم على انتشار الشرع المطهر، لأنه إذا جرح حملته أثر على المحمول. و هذا فيه شبه من طريقة من يقع في الصحابة من أهل الأهواء ، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم شهود نبي هذه الأمة على ما بلغه من شريعة الله ، فإذا جرح الشاهد جرح المشهود به
فالواجب على المسلم التزام أدب الإسلام وهديه وشرائعه ، وأن يكف لسانه عن البذاءة والوقوع في أعراض العلماء ، والتوبة إلى الله من ذلك والتخلص من مظالم العباد ، ولكن إذا حصل خطأ من العالم فلا يقضي خطؤه على ما عنده من العلم، و الواجب في معرفة الخطأ الرجوع إلى من يشار إليهم من أهل العلم في العلم و الدين و صحة الاعتقاد، و أن لا يسلم المرء نفسه لكل من هب ودب فيقوده إلى المهالك من حيث لا يشعر. وبالله التوفيق و صلى الله على نبينا محمد و آله و صحبه و سلم .

قال الشيخ الألباني :

 في شريط مسجل (1) ( ينصح فيه بعض الشباب ) :-
( انظر! -يا أخي- أنا أنصحك أنت والشباب الآخرين الذين يقفون في خط منحرف فيما يبدو لنا والله أعلم: ألا تضيعوا أوقاتكم في نقد بعضكم بعضاً، وتقولوا: فلان قال كذا، وفلان قال كذا؛ لأنه أولاً: هذا ليس من العلم في شيء، وثانياً: هذا الأسلوب يوغر الصدور، ويحقق الأحقاد والبغضاء في القلوب، إنما عليكم بالعلم، فالعلم هو الذي سيكشف هل هذا الكلام في مدح زيد من الناس الذي له أخطاء كثيرة؟ وهل -مثلاً- يحق لنا أن نسميه صاحب بدعة؟ وبالتالي هل هو مبتدع؟ ما لنا ولهذه التعمقات؟ أنا أنصح بألا تتعمقوا هذا التعمق؛ لأننا في الحقيقة نشكو الآن هذه الفرقة التي طرأت على المنتسبين لدعوة الكتاب والسنة، أو كما نقول نحن: للدعوة السلفية، هذه الفرقة -والله أعلم- السبب الأكبر فيها هو حظ النفس الأمارة بالسوء، وليس هو الخلاف في بعض الآراء الفكرية، هذه نصيحتي. مداخلة للشيخ عدنان عرعور: يا شيخنا! الصورة قاتمة جداً فيما يجري بين الشباب في كثير من بقاع الأرض، ولا نشك أن هناك منحرفين وهناك مخطئين ومبتدعين، لكن أصبحت المواجهة في كثير من الأحايين مواجهة شخصية، ومواجهة للقيل والقال، مما لا يشعر الشباب ما يترتب على ذلك من إضاعة الأوقات، وإثارة كثير من الحقد بينهم، هذه مسألة لا يتنبهون لها، وهم -ولا نشك- معهم الحق، لكن كثيراً من الشباب عندما أسأله: كم تحفظ من القرآن؟ يقول: أحفظ أقل من ثلاثة أجزاء! أسأله: كم لك تناقش هذه القضية؟ يقول: ثلاث سنوات، ثلاث سنوات وهم يجلسون يتناقلون: زيد مبتدع، غير مبتدع، كافر، غير كافر، زنديق، غير زنديق، قال ما قال، منحرف غير منحرف، وقد يكون منحرفاً أو مخطئاً أو ضالاً! وهم يظنون إذا جاءهم الناصح وقال لهم: هذا مضيعة للأوقات، الأغلب يظنون أن الناصح مع أولئك، وهذا أمر عجيب! وهو يريد نصحهم، شاب عمره سبع عشرة سنة لا يحفظ إلا القليل وهو الآن يناقش في مسائل عميقة جداً، قد يتأنى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ويتريثون فيها، بينما هم يتسرعون إلى مثل هذه القضايا، فنريد توجيهاً لمثل هذا.
الشيخ: أنا كثيراً ما أُسْأَل: ما رأيك بفلان؟ فأفهم أنه متحيز له أو عليه، وقد يكون الذي يسأل عنه من إخواننا، وقد يكون من إخواننا القدامى يقال عنه: إنه انحرف، فأنا أنصح السائل: يا أخي! ماذا تريد بزيد وبكر وعمرو؟ استقم كما أمرت، وتعلم العلم، وهذا العلم سيميز لك الصالح من الطالح، والمخطئ من المصيب... إلخ) سلسلة الهدى والنور الصوتية رقم ( 784 ) الوجه الأول

وقال العلامة الألباني - رحمه الله تعالى- (1) :
" إنني في بعض الأحيان قد يَبدر مني أثناء حديثي عباراتٌ في أشخاص ، أو كلماتٌ في أعيانٍ أو هيئاتٍ ، ما قلتها إلا غيرةً على الدين واهتماما بأحكامه ، لا تحريضاً على أحد ولا إثارةً لأحقاد .
 : بئس خطيبُ القوم أنت(3) .r لذلك الخطيب الذي قال : من يطعِ اللهَ ورسولَه فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى ، فقال له r أجعلتني لله نداً (2) ، وقوله r : ما شاء الله وشئت يا رسول الله ، فقال له رسولُ الله r أو بعض الصحابة ، مثل قول أحدهم للرسول rوليس هذا غريبا من أمثالنا نحن الخلف ، المُحاطين بظلمات من الفتن فقد صدر نحوها أو مثلها أو ما هو أقسى منها من الرسول  
ولكنا قد ابتُلينا في العصر الحاضر ، بأُناس يتتبعون العثراتِ والمتشابهات ، ويُعرِضون عن المُحكَمات الواضحات المُؤكَّداتِ لما قلنا ، بقصد إيقاع الفتنة بين الإخوة المؤمنين ، أو بينهم وبين بعض أولياء الأمور ، ولذلك فقد رأينا أن نُعدِّل بعض الكلمات التي تَبين لنا بعد دراسة محتويات كثير من الأشرطة المنسوخة أنها من ذاك القبيل ، وأن الأولى عدمُ النطق بها ، ثم لْيمُتِ المفسدون في الأرض غيظا ، أولئك الذين قال الله في حق أمثالهم (1) وقال نبينا عليه السلام : ( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخلِ الإيمان قلبَه ،لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ،فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته ) (2)
هؤلاء ليسوا من السلفيَّة في شيء
فضيلة الشيخ (بن عثيمين)جزاكم الله خيراً: نريد أن نعرف ما هي السلفية كمنهج، وهل لنا أن ننتسب إليها؟ وهل لنا أن ننكر على من لا ينتسب إليها، أو ينكر التسمي بكلمة سلفي أو غير ذلك؟ وجزاكم الله خير .

السلفيَّة هي اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ لأنهم هم الذين سلفونا وقدمونا وتقدموا علينا , فاتباعهم هو السلفية .

وأما اتِّخاذ السلفيَّة كمنهج خاص ينفرد به الإنسان ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حقٍّ واتخاذ السلفية كمنهج حزبي فلا شكَّ أن هذا خلاف السلفيَّة ،

السلف كلهم يدْعون إلى الإسلام والالتئام حول كتاب الله و سنَّة رسوله صلى الله عليه وآله سلم ، ولا يضلِّلون مَن خالفهم عن تأويل ، اللهم إلا في العقائد ، فإنهم يرون أن من خالف فيها فهو ضال .أما المسائل العمليات فإنهم يخففون فيها كثيرا 
لكن بعض من انتهج السلفيَّة في عصرنا هذا صار يضلِّل كل من خالفه ولو كان الحق معه ، واتَّخذها بعضهم منهجاً حزبيّاً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام ،وهذا هو الذي يُنكَر ولا يُمكن إقراره ، 
ويقال : انظروا إلى مذهب السلف الصالح ماذا يفعلون في منهجهم وفي سعة صدورهم للخلاف الذي يسوغ فيه الإجتهاد , حتى إنهم كانوا يختلفون في مسائل كبيرة ، في مسائل عقديَّة ، وفي مسائل عمليَّة ، فتجد بعضَهم – مثلاً – يُنكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه ، وبعضهم يقرُّ بذلك ، وبعضهم يقول : إن الذي يُوزن يوم القيامة هي الأعمال ، وبعضهم يرى أن صحائف الأعمال هي التي تُوزن ، وتراهم – أيضاً – في مسائل الفقه يختلفون كثيرا ، في النكاح ، في الفرائض ، في العِدَد ، في البيوع ، في غيرها ، ومع ذلك لا يُضلِّل بعضهم بعضاً
فالسلفيَّة بمعنى أن تكون حزباً خاصّاً له مميزاته ويُضلِّل من سواهم : نقول هؤلاء ليسوا من السلفيَّة في شيء 
السلفية اتباع منهج السلف عقيدة وقولاً وعملاً وائتلافاً واتفاقاً وتراحماً وتواداً كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ) أو قال : مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) . 

سلسلة لقاء الباب المفتوح - للشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله -
شريط رقم 57 نهاية الوجه الأول والتتمة في بداية الوجه الثاني

المطلوب اتباع السلف لا التـحزب
الشيخ محمد بن عثيمين

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله :
يستفاد يُستفاد من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي.. " أنه إذا كثرت الأحزاب في الأمة ؛ لا تنتمِ إلى حزب
هنا ظهرت طوائف من قديم الزمان : خوارج ، معتزلة ، جهمية ، شيعة بل رافضة.. 
ثم ظهرت أخيراً: إخوانيون ، وسلفيون ، وتبليغيون ، وما أشبه ذلك
كل هذه الفرق اجعلها على اليسار ، وعليك بالأمام، وهو: ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين " . 
ولا شك أن الواجب على جميع المسلمين أن يكون مذهبهم مذهب السلف ، لا الانتماء إلى حزب معيّن يسمى (السلفيين) ..
الواجب أن تكون الأمة الإسلامية مذهبها مذهب السلف الصالح ، لا التـحزب إلى من يسمى (السلفيون).. انتبهوا للفَرْق!!
هناك طريق سلف ، وهناك حزب يُسمى (السلفيون).. المطلوب إيش؟ اتباع السلف
لماذا؟ لأن الإخوة السلفيين، هم أقرب الفرق للصواب، لا شك.. لكن مشكلتهم كغيرهم ، أن بعض هذه الفرق يُضلل بعضاً، ويُبدّعهم، ويُفسّقهم..
نـحن لا ننكر هذا إذا كانوا مستـحقين، لكننا ننكر معالجة هذه البدع بهذه الطريقة..
الواجب أن يـجتمع رؤساء هذه الفرق، ويقولون بيننا كتاب الله – عز وجل – وسنة رسوله، فلنتـحاكم إليهما لا إلى الأهواء، و الآراء، ولا إلى فلان أو فلان .
كلٌّ يخطيء ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة، ولكن العصمة في دين الإسلام.
فهذا الحديث أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فيه إلى سلوك طريق يسلم فيه الإنسان، لا ينتمي إلى أي فرقة؛ إلا إلى طريق السلف الصالح، بل سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والخلفاء الراشدين المهديين
قال ذلك رحمه الله في شرحه للأربعين النووية حديث (28) (ص308)

موقف الشيخ مقبل رحمه الله من غلاة التبديع والتجريح
أن الشيخ مقبلاً ـ رحمه الله ـ كان ينكر أشياء على هؤلاء الغلاة وقد كان له كلمات واضحة في نقد الطريقة التي يسلكونها فقد قال ـ رحمه الله ـ ( ) : ( فالذي أنصح به إخواني في الله أن يقبلوا إقبالاً كلياً على طلب العلم ... فأنصح إخواني في الله بأن يكوّنوا لهم مكتبات ما استطاعوا وأن يحرصوا على مجالسة أهل العلم كالشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى والشيخ ناصر الدين الألباني ومن سلك مسلكهما من أهل العلم ويستفيدوا من أهل العلم، فإن الناشئين يكون لديهم حماسة شديدة، ربما تكون سبباً لهزيمة الدعوة وسبباً لنكبة الدعوة ... ) أ.هـ كما في "غارة الأشرطة ... " (1/356)
وقال أيضاً ( ) : ( الشباب المبتدئون في طلب العلم تكون عندهم حماسة للدين وغيرة على الدين ولا يحب أن يخالف، وإذا خولف ظن أنه خولف الكتاب والسنة، وربما يكون مخطئاً في فهمه ) أ.هـ كما في "غارة الأشرطة ..." (1/189) . 
وقال أيضاً ( ) : ( الذي أنصح به إخواننا بالجد والاجتهاد في تحصيل العلم النافع وألا يشغلوا أنفسهم بما لا يعنيهم، فهذا الاختلاف وهذه الفرقة ناشئة عن فراغ والشيخ الفلاني المصيب والشيخ الفلاني المخطئ والشيخ فلان لا يؤخذ عنه العلم والشيخ فلان كذا وكذا فأنا أقول: يجب أن تحدثك نفسك أن تكون مثل الشيخ فلان أو أحسن الذي شغلت نفسك من هذا المسجد إلى هذا المسجد أو من هذا المجلس إلى هذا المجلس الشيخ فلان هو المصيب والآخر هو المخطئ ، ... ) أ.هـ كما في "غارة الأشرطة ..." (2/103) .
وقال الشيخ عبد العزيز البرعي ـ حفظه الله ـ ( ) : ( اعلموا أيها الشباب أننا ننكر ونكره الحزبية سواء كانت ظاهرة أم باطنة ولكننا لسنا راضين عن صنيعكم هذا ، فقد أصبح حالكم هو الأداة التي ينفر بها أعداء السنة عن أهل السنة وعن طلبة العلم ، وأن الرسول يقول لمعاذ وأبي موسى "بشرا ولاتنفرا ويسرا ولاتعسرا" إن عكوف كثير من الشباب على مجموعة من الكتب ككتب الشيخ ربيع في مناقشة بعض الجماعات و"الطريق إلى الجماعة الأم" و"وقفات" وغيره أسموها كتب المنهج إن عكوفهم عليها زاهدين عن كثير من العلوم يعتبر ضرر على الدعوة وميلاً بها عن سيرها الصحيح ، على أنني أحب تلك الكتب ، وأرى أن الله فضح بها كثيراً مما كان مخفياً لدى بعض الجماعات ، ولكن أقول: ياشيخ ربيع إن طلبة العلم استغلوا كتبك استغلالاً غير لائق فقدم لهم نصيحة تعقلهم وترشدهم بها فلقد كادوا أن يكونوا جماعة مستقلة تغاير ما عليه دعوة أهل السنة في اليمن بأنهم ليس عندهم وضوح في المنهج ، إن علم الحديث يعتبر من المنهج وكذلك الأصول والعقيدة الصحيحة والفقه والنحو .. فلم يحصروا المنهج على كتب معينة ... على أني أحب أولئك الشباب كثيراً ، لأنهم قد خطوا خطوة كبيرة إلى جهة الاستقامة .. ولا أرضى أن يسمى أولئك بالمنهجيين فهم إخواننا ولكن أرى أن يبين لهم من قبل المشايخ الكبار وسوف ينتهي ذلك كله وينبغي أن يعلم أن خطا أولئك الشباب في بعض أساليبهم أما الحزبيون فخطؤهم في منهجهم .. ومن رأينا أنه يتكلم في الحزبيين لكونه مختصماً معهم خصومة شخصية لا نفرح به وسوف نتخلى عنه لأنه لو وجد أناساً أقوى منا ينتقم من خلالهم سيذهب إليهم ويتركنا ) أ.هـ ص141 كما في "قرع الأسنة في نفي التطرف والشذوذ عن أهل السنة " للشيخ عبد العزيز البرعي وقدم له الشيخ مقبل رحمه الله
وهذا الكتاب "قراع الأسنة" قدم له الشيخ مقبل رحمه الله وأثنى عليه.

اتركوا الكلام في الناس فلان حزبي فلان كذا
الشيخ صالح الفوزان


سائل يسأل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان .. وصوت السائل غير واضح
أجاب الشيخ : أنا أقول اتركوا الكلام في الناس اتركوا الكلام في الناس ، فلان حزبي ، فلان كذا .
اتركوا الكلام في الناس ، ابذلوا النصيـحة وادعوا الناس إلى اجتماع الكلمة ، وإلى تلقي العلم عن أهله ، وإلى الدراسة الصحيـحة ، إما دراسة دينية وهذه أحسن ، أو دراسة دنيوية تنفع نفسك وتنفع مجمتعك ، أما الاشتغال بالقيل والقال ، فلان مخطىء ، وفلان مصيب ، وفلان كذا [كلمة غير واضحة]... هذا هو الذي ينشر الشر ، ويفرق الكلمة ، ويسبب الفتنة . إذا رأيتَ على أحدٍ خطأ تناصحه بينك وبينه مُب تجلس في مجلس تقول فلان سوى كذا وفلان سوى كذا ، تناصحه فيما بينك وبينه ، هذه النصحية أما كلامك في المجلس عن فلان هذه ليست نصيـحة هذه فضيـحة ، هذه غيبة ، هذه شر . نعم .
للاستماعhttp://www.islamgold.com/view.php?gid=2&rid=145

قال الشيخ العلامة صالح الفوزان : - حفظه الله - (1)
من مفاسد التفرق كذلك ، حصول التفرقة بين المسلمين بسبب اشتغال بعضهم ببعض في التجريح بالألقاب السيئة ، وكلٌّ يريد أن ينتصر لنفسه من الآخر فينشغل المسلمون بأنفسهم ، وهذا يكون على حساب تَعلُّم العلم النافع ، فإن كثيرا كثيرا من طلبة العلم فيما يَبْلغنا أن همهم وشغلهم الشاغل هو الكلام في الناس وفي أعراض الناس في مجالسهم وفي تجمعاتهم ، يُخطِّئون هذا ويُصِّوبون هذا ويُزكُّون هذا ويُضلِّلون هذا فليس لهم شغل إلا الكلام في الناس !! .
وسئل الشيخ : (2)
ما رأي فضيلتكم في ذلك التراشق المكتوب والمسموع الذي حدث بين بعض العلماء ؟ ألا ترون أن جلوسهم للحوار كان أجدى ؟ وأن ذلك ربما أفسد مشاريعهم الإسلامية ؟
فأجاب :العلماء المعتبرون لم يحصل بينهم شيء مما ذُكر في السؤال ، وإنما الذي يمكن حدوثه من ذلك هو بين بعض المتعلمين والشباب المتحمس ونسأل الله لهم الهداية والتوفيق ، وندعوهم إلى ترك هذا العمل المشين ، والتآخي فيما بينهم على البر والتقوى ، والرجوع إلى أهل العلم فيما أُشكل من الحق ليستبين لهم طريق الصواب وألا يتأثروا بالأفكار الوافدة المشبوهة فيُعْرضوا عن المنهج الصحيح ، ولا يُفهم من هذا ترك الرد على الأخطاء والانحرافات التي في بعض الكتب من باب النصيحة للأمة .
وفي سؤال آخر : (1
فضيلة الشيخ هل من نصيحة للشاب الذي ترك تعلُّم العلم الشرعي والدعوة إلى الله وأخذ يخوض في الخلاف بين العلماء بلا علم ولا بصيرة ؟
فأجاب
أنا أوصي جميع إخواني وخاصة الشباب وطلبة العلم أن يشتغلوا بطلب العلم الصحيح سواء كانوا في المساجد أو في المدارس أو في المعاهد أو في الكليات ، أن يشتلغوا بدروسهم وبمصالحهم ويتركوا الخوض في هذه الأمور لأنها لا تأتي بخير وليس من المصلحة الدخول فيها وإضاعة الوقت فيها وتشويش الأفكار ، هذه من المعوقات عن العمل الصالح ومن الوقوع في الأعراض والتحريش بين المسلمين فعلى المسلمين عموما وعلى الطلاب خصوصا أن يتركوا هذه الأمور ويسعوا 
بالإصلاح مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، قال تعــالى : (1) ومَنْ رأيتم عليه خطأ فعليكم بمناصحته وبيان خطئه فيما بينكم وبينه وطلب رجوعه إلى الصواب وهذا مقتضى النصيحة 0 
وقال حفظه الله في محاضرة [ ظاهرة التبديع والتفسيق والتكفير وضوابطها ] 0
ولهذا يجب على شباب المسلمين وطلاب العلم أن يتعلموا العلم النافع من مصادره وعلى أهله المعروفين به ، ثم بعد ذلك يعلمون كيف يتكلمون ، وكيف يُنزلون الأمور منازلها ، لأن أهل السنة والجماعة قديما وحديثا قد حفظوا ألسنتهم فلم يتكلموا إلا بعلم . (2)

ويقول الشيخ العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان ( حفظه الله ) : 
{ ... والذين اتبعوهم بإحسان ..}" هناك من يدعي أنه على مذهب السلف لكن يخالفهم ، يغلوا ويزيد ، ويخرج عن طريقة السلف ، ومنهم من يدعي أنه على مذهب السلف ويتساهل ويضيع ويكتفي بالانتساب . الذي على منهج السلف يعتدل ويستقيم بين الإفراط والتفريط ، هذه طريقة السلف لا غلو ولا تساهل ، ولهذا قال الله تعالى :  
فإذا أردت أن تتبع السلف لا بد أن تعرف طريقتهم ، فلا يمكن أن تتبع السلف إلا إذا عرفت طريقتهم وأتقنت منهجهم من أجل أن تسير عليه ، وأما مع الجهل فلا يمكن أن تسير على طريقتهم وأنت تـجهلها ولا تعرفها ، أو تنسب إليهم ما لم يقولوه ولم يعتقدوه ، تقول : هذا مذهب السلف ، كما يحصل من بعض الجهال – الآن – الذين يسمون أنفسهم (سلفيين) ثم يخالفون السلف ،ويشتدون ويكفرون ، ويفسقون ويبدعون . السلف ما كانوا يبدعون ويكفرون ويفسقون إلا بدليل وبرهان ، ما هو بالهوى أو الجهل ، إنك تـخط خطة وتقول : من خالفها فهو مبتدع ، فهو ضال ، لا – يا أخي – ما هذا بمنهج السلف. منهج السلف العلم والعمل ، العلم أولاً ثم العمل على هدى ، فإذا أردت أن تكون سلفياً حقاً فعليك أن تدرس مذهب السلف بإتقان ، وتعرفه ببصيرة ، ثم تعمل به من غير غلو ومن غير تساهل ، هذا منهج السلف الصحيح ، أما الادعاء والانتساب من غير حقيقة فهو يضر ولا ينفع " (1) . من إجابات الشيخ على أسئلة الحضور في شرح العقيدة الطحاوية ، لعام 1425 هـ ، وهو مسجل على شريط حول هذا الموضوع

فتنة التجريح والهجر من بعض أهل السنة 
في هذا العصر، وطريق السلامة منها


حصل في هذا الزمان انشغال بعض أهل السنة ببعض تجريحاً وتحذيراً، وترتب على ذلك التفرق والاختلاف والتهاجر، وكان اللائق بل المتعين التواد والتراحم بينهم، ووقوفهم صفاً واحداً في وجه أهل البدع والأهواء المخالفين لأهل السنة والجماعة، ويرجع ذلك إلى سببين:
أحدهما: أن من أهل السنة في هذا العصر من يكون ديدنه وشغله الشاغل تتبع الأخطاء والبحث عنها، سواء كانت في المؤلفات أو الأشرطة، ثم التحذير ممن حصل منه شيءٌ من هذه الأخطاء،..) رسالة رفقاً اهل السنة بأهل السنة للشيخ العلاّمة عبد المحسن العباد 
بدعة امتحان الناس بالأشخاص
ومن البدع المنكرة ما حدث في هذا الزمان من امتحان بعض من أهل السنَّة بعضاً بأشخاص، سواء كان الباعث على الامتحان الجفاء في شخص يُمتحن به، أو كان الباعث عليه الإطراء لشخص آخر، وإذا كانت نتيجة الامتحان الموافقة لِمَا أراده الممتحِن ظفر بالترحيب والمدح والثناء، وإلاَّ كان حظّه التجريح والتبديع والهجر والتحذير،..) رسالة الحث على إتباع السنة للشيخ العلاّمة عبد المحسن العباد 

التحذير من فتنة التجريح والتبديع 
من بعض أهل السنة في هذا العصر

وقريبٌ من بدعة امتحان الناس بالأشخاص ما حصل في هذا الزمان من افتتان فئة قليلة من أهل السنَّة بتجريح بعض إخوانهم من أهل السنة وتبديعهم، وما ترتَّب على ذلك من هجر وتقاطع بينهم وقطع لطريق الإفادة منهم، وذلك التجريح والتبديع منه ما يكون مبنيًّا على ظنِّ ما ليس ببدعة بدعة،...
ومن ذلك أيضاً حصول التحذير من حضور دروس شخص؛ لأنَّه لا يتكلَّم في فلان الفلاني أو الجماعة الفلانية، ..) رسالة الحث على إتباع السنة للشيخ العلاّمة عبد المحسن العباد 
سئل الشيخ العلاّمة عبد المحسن العباد -حفظه الله تعالى -
في درس سنن أبى داود ، ليلة 26/صفر 1423هـ
الأسئلة التالية :- 
السؤال الأول
لوقال أحد المشائخ عن أحد من الناس بأنه مبتدع ، هل يلزم الطالب أن يأخذ بهذا التبديع ؟ أم لا بد من معرفة وجه التبديع ؟لأنه قد يُطلق على أحدٍ كان ملتزماً بالسنَّة
فأجاب الشيخ
ما كلُّ يُقبل كلامه في هذا ، إذا جاء من كلامٍ مثلِ الشيخ ابن باز ، أو الشيخ ابن عثيمين ، نعم ، يُمكن أن يُعوّل على كلامه ، أما من هب ودب (1) ؛ فلا يؤخذ منه هذا الكلام
السؤال الثاني
مسألة أخرى: في قبول خبرالثقة ، هل يُقبل مطلقا دون تثبّت؟ كأن يُقال : إن فلاناً مثلاً سبَّ وطعن في الصحابة ، هل يجب عليّ أن آخذ بهذا القول وأَحكم به أم لا بد من التثبث ؟ 
فأجاب الشيخ : لا بد من التثبّت
السائل:ولو كان القائل أحد المشائخ ؟ 
أجاب الشيخ : لا بد من التثبّت ، القائل إذا كان عزاه إلى كتاب له ، والكتاب موجود ، فيمكن للناس الرجوع لهذا الكتاب ، أما مجرد كلام من غير أن يُذكرله أساسٌ ؛ لاسيما إذا كان الشخص من الموجودين ، أما إذا كان من المتقدمين وهو معروف بالبدعة ، أو من أئمتها ، هذا كلٌّ يعرفه ، يعني مثل جهم بن صفوان ، وكذا ، كل من قال إنه مبتدع ، فإن كلامه صحيح ،أي إنسان يقوله ، وأما بعض الناس الذين يحصل عندهم خطأ ، وعندهم جهود عظيمة في خدمة الدين ، فيحصل منهم زلة ، فبعض الناس يمكن أنه يقضي عليه بمجرد هذه الزلة
التكلم في الدعاة بحجة الجرح والتعديل والبيان والوقيعة في أعراضهم
الشيخ عبد الله بن قعود

سئل العلامة عبد الله بن قعود رحمه الله :
أيضاً هنا سؤالان ملحقان بالسؤال الذي سلف، يقول السائل
عندما تنصح فلاناً بأن عليه أن يكف عن الحديث والقدح في فلان، فيقول: لا، كيف ولا بد من إظهار الباطل وإحقاق الحق لئلا يغتر الناس.. 
وآخر يقول: كثر الكلام والاتهام في عقائد الدعاة والعلماء بحجة بيان الحق لعامة الناس، والجرح والتعديل 
فما هي الضوابط في الجرح والتعديل، وخاصة في شأن الدعاة والعلماء، وخاصة في عقائدهم؟
فأجاب فضيلة الشيخ: عبد الله بن قعود رحمه الله :
( ومتى جاءنا هذا الكلام؟! هل طلع قبل عشر سنوات؟! أو خمس سنوات؟! وبعض من يقول هذا لحاهم بيضاء الآن ، أم لا؟ في الغالب على من يـحمل الفكرة هذه تجدهم في سني، أو قريباً مني في الستين أو السبعين .. على كل حال الأمر يختلف ، إذا كان الإنسان على أمر مبتدَع ابتداع كفري، ووراءه ناس مغترون به، وربما يسلكون مسلكه، فهذا ما فيه شك أنه يُبيَّن، ويُوضَّح لهم .. أما إذا كان الأمر- كما أسلفت في كلمتي- فاضل ومفضول، وطريقة في الدعوة كذا، وطريقة أو أساليب دعوة أو أساليب تعليم، أو غيرها ولم يكن هناك أمر واضح ، فهذا لا يـجوز أن يُتتبع الناس به، ولا أن يـحذّروا من الاستفادة من عالم، أو من صاحب معتقد سليم، أو من داعية من الدعاة من أجل هذا الأمر.
الجرح والتعديل نفسه هذا في مجال حديث سيُبنى عليه حكم، خذ رجاله، وبيِّن ما فيهم من جرح ومن تعديل، هذه طريقة معروفة في المصطلح.. لكن الآن في الساحة خصوم للشباب ، وخصوم للإسلاميين في كل مكان، وخصوم للملتزمين الحركيين، الذين ينادون بتطبيق حكم الله - سبحانه وتعالى - ، فيه خصوم في الجملة، نفس الآن .. الآن الذين لديهم بصيص من وعي، أو بصيص من تـحرك ، أروح وأذهب وأسلط عليهم الألسن بحجة أن الجرح والتعديل هذا أمر لابد منه في مذهب السلف؟!! نعم ، الجرح والتعديل مطلوب لكن الآن أنت تنسى الحسنات، وتنسى الواقع، ولو جيت ما وجدت جرح يـجرح به أهل المصطلح، في واحد ممن نعرف الآن إلا ما شاء الله إلا ما شاء الله ، وتجي تآخذ أمور نظرية من مصطلح أن : ( هذا لابد منه، السلف يبينون الجرح ويُقدمونه على التعديل ، السلف يقولون كذا..) !!! لكن هؤلاء ينبشون واحد ما روى حديث، ولا هو في حديث ، وينبشونه ، وميت ، إلا وهو من أجل إخماد دعوته، أو إخماد كتبه!! على كل حال نرجو الله أن يغفر لنا ولإخواننا ) .

وقال رحمه الله تعالى :
( ما تـحمدون الله أن هيأ لكم من يعبد الله ومن يقوم بواجب الدعوة ؟ أما تـحمدون الله أن وجد من أصلابكم ومن إخوانكم ومن بيئتكم ومن أمثالكم من يدعو إلى الله ومن يـحمل الدعوة إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؟ يا إخواني حسب التجربة قبل أربعين سنة ما نــجد هذه الوجوه ، تجد مجلس وما تجد ..!! الثوب طويل ولا لحية حتى في المنتسبين للعلم ، وتجد الرجل يخطب المرأة ما يقال : هو يصلي أو ما يصلي ؟ يعني أنت وين أمس هذه الألسن ما جاءتنا ؟!! [يقصد ألسنة الطاعنين في العلماء]
بالأمس هناك الابتداع، المدينة الابتداع فيها واضح ، يطاف بالقبر ويصرَخ بالشرك ، ويصرخ بالشرك أقولها ومستعد أثبتها لو نوقشْتُ ، الآن ما سمعنا أصواتاً كهذه الأصوات !! هل سمعنا أصواتاً تندد بهذا؟ هل سمعنا أشرطة ؟ أليس في المدينة في أيام المواسم يُصرَخ بالشرك في مسجد رسول الله ؟! والبدع كثيرة من حوله ؟ والدنيا من حوله كذا ؟ وليش ما نسلط أضواءنا مجتمعين - أهل السنة - على المبتدعة وعلى المخرفين وعلى أهل الطرق وعلى الذين أيضاً يـحفرون لنا ويشوهون وجه إسلامنا ؟
نسلط أضواءنا عليهم ، نبدأ بالأهم كما يقال قبل المهم ، اترك أنَّا مختلفين مع عمرو أو زيد في أسلوب أو في مرجوح ، أو في بدعة ليست مكفرة ، نبدأ بمن هم أخطر وبمن هم أولى وبمن هم .. وبمن هم..
فالكثير من مثل هؤلاء تربوا وعاشوا في مدينة يصرخ فيها بالشرك في المواسم ويطاف بالقبر فيها ، طبعاً طواف مهوب بارز لكن طواف يفهمه من يفهمه ، ولا سمعنا أشرطة ولا سمعنا خطب ولا سمعنا كتب أُلفت في هذا ولا سمعنا .. ولا سمعنا .. 
بل في بعض الأحيان ربما ينال من الشباب من منبر الرسول ، نيل من الشباب في منبر الرسول عليه الصلاة والسلام وشُوِّهوا وما سمعنا أحداً قال . )

المرجع : شريط ( وصايا للدعاة – الجزء الثاني) للشيخ العلامة عبد الله بن قعود.
للاستماع http://www.islamgold.com


هؤلاء الذين يضيقون معنى السلفية 
ولا يقبلون التوبة
هؤلاء يضرّون السلفية أكثر مما يـحسنون إليها 
الشيخ عبد الله المطلق

عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

(يا أحبابي هؤلاء الذين يضيّقون معنى السلفية والذين يأخذون بالظِنّة والذين لا يقبلون التوبة والذين لا يناقشون الناس ولا ينشرون الخير هؤلاء يضرّون السلفية أكثر مما يـحسنون إليها ،
ـإنك لو نظرت إلى علماء من أهل السعودية كم هم ؟ يريدون فقط ثلاثة أو أربعة علماء ، والباقين؟ هاه ؟ ليسوا من السلف ؟!! ذي مصيبة عظيمة يا إخوان ،
ـ إنك إذا نظرت إلى علماءالعالم الإسلامي الآن تجد أنهم عندهم في قوائم المنـحرفين .
ـ إنك إذا نظرت إلى علماء الأمّة الذين خدموا الدين ، أمثال ابن حجر والنووي وابن قدامة صاحب المغني والكتب النافعة وابن عقيل وابن الجوزي وجدت أنهم عندهم مصنفون تصنيفات يخرجونهم بها من السلفية لأنه وجد عليهم بعض الملاحظات ،
هؤلاء الذين يضيّقون معنى السلفية يسيئون للأمة إخوتي في الله ،
ولذلك انظروا إلى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله وإلى الشيخ محمد العثيمين رحمه الله وإلى سماحة المفتي الآن الموجود ، كيف يتعاملون مع الناس ، كيف يـحسنون أخلاقهم ، كيف يستقبلون طلبة العلم ، كيف يـجلّون العلماء.
لكن هل هذا المنهج موجود عند هؤلاء ؟ لا .
هؤلاء ليسوا راضين إلاّ عن أعدادٍ قليلة معدودة على الأيدي من طلبة العلم ، 
الذين يشتغلون في مجالسهم بأكل لحوم العلماء ،
وأحياناً يـحمّلون كلامهم ما لا يتـحمل بل وأحيانا يكذبون عليهم ،
ليس في قاموسهم توبة ولا يقبلون لأحد أوبة ،
يضيّقون هذا الدين ،
يفرحون بخروج الناس منه ولايفرحون بقبول أعذار الناس وإدخالهم فيه ،
ترى هذي مصيبة يا إخواني لو ابتليت بها الأمة يمكن أن تكون السلفية في مكان محدود من هذه الجزيرة ، انظروا إخوتي في الله إلى دماثة خلق الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين كيف كانوا مفتين لجميع شباب العالم الإسلامي إن اختلفوا في أوروبا في أمريكا في أفريقيا في اليابان في أندونيسيا في استراليا ، من يرضون حكماً ؟ من يرضون ؟ تجدهم يقبلون عبدالعزيز بن باز ومحمد بن عثيمين وفلان وفلان ، لكن هل يرضون مشايخ هؤلاء ؟ هاه ؟ لاوالله ما يرضونهم ، وهؤلاء لا يقبلونهم ، إن ما ينتهجه هؤلاء وفقهم الله وهداهم يضيّق معنى السلفية وينفر الناس منها ، ويـجعل السلفية معنىً ضيّقا محدوداً أغلب عملهتكفير الناس وتفسيقهم وجمع أخطائهم وتشويه سمعتهم والقدح في أعراضهم ) .
د . عبد الله المطلق
عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

المحاضرة بتاريخ : الأربعاء 19 شعبان 1424هـوعنوان : الفتن - أسبابها وعلاجها
المرجع :http://www.liveislam.com/archi/1424/shaban.htm

قال الشيخ العلامة صالح آل الشيخ : - حفظه الله
(التقعيد لفهم القواعد في الفقهيات له آثار من آثاره وهذا للمثال وليس للحصر ما يعلمه كل منكم من دخول كثير من الناس وخاصة بعض المنتسبين إلى العلم أو طلبة العلم وخلوا في مسائل التفسيق والتكفير والتبديع وجعلوا قواعد للتبديع ليست معروفة عند أهل العلم ولهذا تجد أن أهل العم يخالفونهم استدلوا على ذلك التقعيد بأدلة وبأقوال لكن لِمَ لَمْ يستدل أهل العلم؟ ولِمَ لم يفهموا تلك القواعد على نحو ما أورد أولئك؟ لأجل أن الفقه بعضه مرتبط ببعض، بعضه صلة لبعض والتقعيد والعلم بعضه صلة لبعض وأولئك أخذوا بعضًا وتركوا بعضًا، كذلك في مسائل التكفير تجد هذا يكفر وذلك لا يكفر ويأتي احترام إما تكفير دول وإما تكفير أشخاص أو تكفير علماء أو تبديع لأشخاص أو علماء أو طلبة علم أو دعاة أو تفسيق لهذا أو هذا ويختلف هذا مع هذا وإذا نظرت إلى كلام أهل العلم وجدت أنه موافق للعلم منضبط لا اعتراض عليه وهؤلاء يتجادلون فيما بينهم وهذا يورد حجه وقاعدة وذاك يورد حجه وقاعدة وسبب الخلاف فيما بينهم أنهم لم يرجعوا إلى تقعيد القواعد التي يتكلمون فيها ومن أهمها في هذه المسائل أن الفقه مبني بعضه على بعض، وأيضًا الفقه في بعض مسائله مبني على العقيدة، والعقيدة في مسائل التكفير مبنية على باب حكم المرتد، وباب الردة فإذن هذه متصلة بهذه فالجرأة على التقعيد والجرأة على التطبيق بسبب آثارًا من الخلاف وآثارًا من التفرق وآثارًا من الاستقلال بالآراء، هل يقال فلان له رأي هذا أخطأ فيه هو رأي هذا صحيح والأمر سهل لو كان هذا يرجع إليه ومقتصرٌ عليه لكن فيما نرى في هذا الوقت نجد أنه ليس الأمر كذلك، نجد أن كل من له رأي وله فهم لا بد أن تجد من يتبعه على ذلك فهذا سبب لنا آراء كثيرة وفرق كثيرة وأقوال كثيرة وهذا مما يجب أن يُدْرَأ وأن يجتمع أهل الحق وأن يجتمع المؤمنون وطلاب الإصلاح وطلاب الخير وطلاب الدعوة، وطلاب الجنة، وطلاب الدار الآخرة أن يجتمعوا على كلمة سواء وأن لا يسعوا في التفريق في زيادة الفرقة فيما بينهم بأن ينضبطوا في تقعيد قواعدهم وفي تقعيد كلامهم وفيما يأتون وفيما يذرون لأنَّ مراد الجميع الخير وهداية الناس إلى الدين والإصلاح وإزالة الباطل وهذا إنما يكون بالاجتماع والائتلاف وأما الفرقة فإنها مُفْرِحَةٌ للشيطان ومُخْزِنَةٌ لعباد الله المؤمنين مثال لتقعيد القواعد في السلوك وقد ذكره بعضهم وهو أن ينضبط ذهنك في التعامل والسلوك بأنه ليس كل قدح ولا كل مدح حقًا فلا بدَّ إذًا من التثبت، التثبت في القوادح والتثبت فيما يمدح به كلمة للحافظ الذهبي الذي له من اسمه نصيب وقد قال فيه المُحَدِّث الطرابلسي وكان يسمع به ولم يره حتَّى قَدِمَ عليه دمشق وراءه قال في الحافظ الذهبي: ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت أخباركم قط إلاّ مِلْتُ من طرب
وليس من عَجَبٍ أن مِلْتُ نحوكم فالناس باطبعِ قد مالوا إلى الذهبي.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: ((ما من إمام كامل في الخير وإلاَّ وثمَّ أُناسٌ من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في التجهم والرفض والضلالة إلاّ وله أناس ينتصرون له ويذبون عنه ويدينون بقوله بهوىً وجهلن وإنما العبرة بقول الجمهور، الخالين من الهوى والجهل المتصفين بالورع والعلم)) أ،هـ كلامه رحمه الله ومأخذه في آخر كلامه من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في جنازة مُرَّ بها فأثنوا عليها خيرًا ومُرَّ بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرًا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الجنازة الولى التي أثنوا عليها خيرًا هي في الجنة وقالوا في الجنازة الثانية التي اثنوا علينا شرًا هي في النار قال: ((أنتم شهداء الله في أرضه)) من هم شهداء الله في أرضه؟ هم المسلمون المتمسكون بما كان عليه صحابة رسول الهل صلّى الله عليه وسلّم الذين خَلَوا من الهوى والجهل والذين أتصفوا بالورع والعلم فهاتان صفتان عدميتان وصفتان وجوديتان، أما الصفتان الوجوديتان فأن يكونوا متورعين وأن يكونوا علماء يكون عن هم ورع وعندهم علم، من الناس من عنه ورع ولكن لا علم عنده فهل يقبل كلامه في الناس فبما يقدح به في فلان ويمدح من أجله لفلان هل من عنده ورع بلا علم يقبل قوله في هذه أما الصفتان العدميتان فأن يكون خاليًا من الهوى وخاليًا من الجهل، خالي من الهوى لن الهوى يجعله يقدح فيمن ليس على طريقته والهوى يجعله يمدح من كان على طريقته فبإعجابه وهواه مدح وبإعجابه وهواه مدح وهذا يسبب خللاً في السلوكيات وخللاً في التعامل وخللاً في القلوب وخللاً في محبة المؤمنين بعضهم لبعض وفي أمور كثيرة من الشرع تنبع من أهل الإخلال بهده القاعدة وهي قاعدة ((أنه ليس كل قدح أو مدح حقًا)) فلا بد إذًا من التثبت ولهذا نقول لا بد أن يكون الناظر في المدح في القدح تابًا للجمهور وهؤلاء الجمهور هم الذين اصفوا بالعلم فالورع وأتصفوا بالخلو من الهوى والجهل تجد من الناس متصف بالعلم وعنده ورع لكن عنده بعض هوى لذلك تجد أن في كلامه ما يخدش في كلامه ما لا يطمئن المرء معه أن هذا هو القول المنسوب لأئمة الإسلام أو للسلف الصالح يكون عنده ورع ولكن ليس عنده علم عنده علم وليس عنده ورع وهكذا يكون عنده علم ويكون عنده جهالة ببعض الأشياء فتسبب من أجل ذلك بما مدح وبما قدح في خلل في أذْهُنِ الناس وفي أذهُن وأفهام المسلمين فلا بدَّ إذن من أن يكون هناك تقعيد عام في مسائل النظر في المدح والقدح وهذا الزمن كما ترون وتعلمون ما من إنسان وخاصةً من المشتهرين من طلبة العلم أو من العلماء أو من الدعاة أو من غيرهم إلاّ وله مادحٌ وله قادحٌ.الإمام أحمد ثم من قدح فيه حتّى قال الكرابيسي كلمته المعلومة في قدح من قدح في الإمام أحمد، كذلك الإمام الشافعي ثم من قدح فيه لكن الله جلّ وعلا وعلا أظهر فضائل أولئك وجعل قدح من قدح في أهل العلم الراسخين أمره راجع إليه وليس بذي صواب.
قدح ومدح، القدح له أسباب ومدح المادح له أسباب وهذه القاعدة أو تقعيد لقواعد التعامل ((ليس كل قدح أو مدح حقً)) لا بدَّ أن نعرف لأسباب القدح يَقدح طالب علم في طالب علم؟ لِمَ يقدح مسلم في مسلم؟ لِمَ يقدح مؤمن في مؤمن؟ ما أسباب القدح عندهم؟ القدح له أسباب من الأسباب أن يكون هذا قرينًا لهذا وكون هذا قرينًا لذاك يجعل القدح جهلاً لأن القرين يكون مع مُنَافِسِهِ القرين في تنافس، فربما أراد أن يقلبه أو أن يكون مُقَدَّمًا عليه فجعله ذلك يقدح.
الإمام مالك تكلم في ابن أبي ذئب وابن أبي ذئب قال فيه الإمام مالك يستتاب مالك فإن تاب وإلاَّ قتل الإمام مالك أحد أئمة الإسلام وابن أبي ذئب ثقة غمام وهذا إمام وهذا إمام بينهم وما بين الأقران وقد قال ابن عبَّاس ما حاصله ((إنَّ العلماء أو قال نحوها ((إن العلماء ليتنافسون أو يتحاسدون كما تنافس وتحاسد التيوس في زروبها وهذا ظاهر بين فقد يكون قدح هذا في ذاك سببه أن هذا قرين لذاك والمؤمن المسدد الورع يحب من ينصر دين الله يحب من يقول الكلمة ول كان مامعه إلاَّ واحد أو ليس معه أحد، وذاك معه أمم من الناس المهم أن يكون دين الله جلّ وعلا وعلا منصورًا وأن تكون الكتاب والسنة منشورًا بين الخلق ليس اتمهم أن يكون هذا أكثر أو أنا عندي أكثر وذاك أفرح يخطئه، بل أفرح بصوابه ولو لم يكن معي أحد وأحزن لخطئه ولو كان معي أمة من الناس لهذا من أسباب القدح أن يكون هذا قرين لذاك من أسباب القدح الحسد والحسد نهى الله جلّ وعلا وعلا عنه وهو يأكل الحسنات كما جاء في الحديث قال جلّ وعلا {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وائتيناهم ملكًا عظيمًا. فمنهم من آمن به ومنهم من صدَّ عنه} وقد قال عليه الصلاة والسلام ((إيَّاكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)).
الحسد ما سببه سببه أنه حسد هذا وتمنى زوال نعمة الله عليه لشيئ في صدره عليه، وحقيقة الحسد أنه عدم رضى بفعل الله عدم رضى بقضاء الله جلّ وعلا وعلا من أعطى ذاك؟ من الذي أعطاه الفضل؟ من الذي أحسن إليه؟ من الذي جعله هاديًا للناس؟ من الذي جعله كذلك وأمده بمال؟ وأمده بسمعة حسنة؟ الذي أمده بذلك هو الله جلّ وعلا وعلا فإذا حسدته فتكون في الحقيقة معترضًا على فضل الله الذي يؤتيه من يشاء.
من أسباب أيضًا القدح التحزبات المختلفة هذا من فئة وهذا من فئة وهذا يقدح في ذاك وهذا يقدح في ذاك لأجل حزبه وفئته.
من أسباب القدح أيضًا أن يقدح في عام يقدح في إمام لأجل إسقاطه وإذا أسقط كان ثم هدف من وراء إسقاطه فإذا قُدح في عام فزال ذلك العالم كان السبيل لهذا أن يأتي ويقرر للناس ما يريد فيكون بعد ذلك سائرًا.
من أسباب القدح في العلماء أو من أسباب القدح في الموجهين أن يكن لذلك القادح هدف يسعى من ورائه بعد القدح إلى إسقاط ذلك وإذا أسقط هذا المقدوح وهو المشهور له بالخير وتفرق الناس عنه لم يكن موجهًا ولم يسمع الناس كلامه ففسر الناس وخسر الدين ناصرًا من أنصاره.
المدح أيضًا له أسباب من أسباب المدح الذي يكون تارة بحق وتارة بغير حق من أسباب المدح زيادة الإعجاب يعجب بشخصية يعجب برجل فيكون إعجابه هذا سببًا لأن يمدحه بدون إستثناء يملك عليه قلبه يملك عليه مشاعره حتَّى يكون هو الكامل الذي لا عيب فيه هذا الإعجاب يجعله يمدح بإطلاق ويرى عيوبه كذلك.
من أسباب المدح الزائد أو غير الحق، تارة يكون حقًا وتارة يكون على غير الحق، من أسباب المدح التخربات أيضًا والجماعات المختلفة والآراء المختلفة يمدح لكي يظهر هذا ويقبل الناس عليه لأنه من الفئة الفلانية، يمدح آخر؟ لأنه من الفئة المقابلة والقاعدة التي تضبط لك هذا ((أن ليس كل قدح أو مدح حقًا)) لا بدَّ أن تتثبت والوَرِع يتخلص من الهوى يتخلص من أن يرى بقلبه، بل تنظر بالعلم، تنظر في هذا في المقدوح فيه وفي الممدوح تنظر فيه بعلم والموازنة في هذا الأمر بأن تكون مع نفسك متحريًا للحق طالبًا للصواب وألاَّ تكون ذي هوى لا على هذا ولا على ذاك بل نتج من جراء إهمال هذه القاعدة أن كان من يتوسط فلا يمدح بإطلاق ولا يقدح بإطلاق كان متهمًا من الفئتين لا هؤلاء يرضون عنه يعني المادحين ولا القادحين يرضون عنه وكلٌ كان مدحه أو قدحه متجاوزًا للحد أو ليس بدقيق في وصف من وصفوه فيكون فيه نوع فيه خير وفيه غير ذلك والمؤمن إذا كانت حسناته كثيرة وكانت سيئاته قليلة فإنه هو الحسود كما قال بعض أهل العلم ((إذا زادت حسنات الرجل وقلت سيئاته فهو العَدْل)) 
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها
كفى المرءَ نُبلاً أن تعدَّ معايبه
هذا من جهة ما يقوم بقلبك يعني من القدح أو المدح أما من جهة التعامل فقد ضمنا أنواع التعامل في الدرس الماضي.هذه نتيجة لعدم رعاية هذا الأصل وهو أن طائفة جعلوا المدح حقًا جميعًا وطائفة أخرى جعلت المدح غير حق والقدح هو الحق وهذا فيه عدم دقة وأولئك فيهم عدم دقة والصواب أن ينظر يعني الورع ويكون المرء في نفسه ما دل عليه الشرع فمن وافق الشرع فهو المحمود وما خالف الشرع فهو المذموم ومن قواعد أهل السنة أن المؤمن يجتمع فيه موجب المحبة ويجتمع فيه موجب عدم المحبة لنه إن أصاب وسدَّد فهو يحب فيما أصاب فيه وسدد وإن ضل أو عصى أو خالف الحق عامدًا عالمًا بذلك أو عُرِّف به ولم يرجع فإنه يجتمع فيه هذا وذاك فيكون محبوبًا من جهة غير محبوبٍ من جهة والتوسط هو شعار هذه الشريعة وشعار هذا الدين وأن هذا الدين وسطا بين الأديان السالغة وهذه الائفة أهل السنة والجماعة وسط بين الطوائف المختلفة).شريط قواعد القواعد للشيخ صالح آل الشيخ


الشيخ السحيمي 

ينهى عن الفوضى في الهجر، وينصح بكتاب الشيخ إبراهيم الرحيلي، ويحذّر من جعل الاختلاف في الأشخاص من مسائل الولاء والبراء
هذا تفريغ لفتوى الشيخ -حفظه الله-:

سائل: كيف حالك -شيخنا!- طيب؟
الشيخ: الله يحييك.
سائل: الله يبارك فيك. بالله عليك يا شيخ عندي سؤال، نريد زوال الإشكال منك -يا شيخ!-.
الشيخ: نعم
سائل: كما تعرف -يا شيخ!- الفتنة اللي فاتت. . أبو الحسن. .
الشيخ: خلها! الفتن هذه تجنبوها وخلاص، ما لكم وما لها! هي وغيرها من [...]. اشتغلوا بالعلم، ودعوا عنكم بُنيات الطريق. . ما فيه عندي مشكلة. . الهجر في مثل هذه القضايا خطأ! لأن بعض الناس ما تبينت له الفتن؛ فعندكم في بلادكم كثير من الناس يلجأ إلى الهجر، وهو لا يعرف ما معنى الهجر، ولا يعرف منهج السلف، ولا يعرف كيف يصلي، ولا يعرف البدعة من السُّنة، ولا التوحيد من الشِّرك، ويجي يهجر إخوانه!! نحن فيه مشايخ عندنا ما اتضح لهم، أنا متضح لي وأعرف أنه مبتدع، لكن ما أهجر إخواني من أجله، ومن أجل أنه لم يتبين لهم وضعُه
الهجران هذا ما لكم وله!. . أنتم لا تهجروا، هؤلاء الذين يهجرون؛ لا يفقهون الدِّين -أصلًا-. اقرأ فيه كتاب لإبراهيم الرحيلي اسمه: "النصحية"، اقرؤوه. هذا كتاب عظيم في ضوابط الهجر؛ متى يُهجَر ومتى لا يُهجَر.
سائل: الله يبارك فيك -يا شيخ!- هو -طبعًا- معروف هو حاله -يا شيخ!- لما قلت أنت بقراءة الردود. . 
الشيخ: أنا أعرف حالَه، وأنا أعرفُ أنه مبتدع، لكن؛ مَن لم يظهر لهُ حالُه؛ لا أهجره ولا أبدِّعه.
سائل: طيب -يا شيخ!- لكن نحن نحكي على الطلبة اللي كانوا معاصرين -يا شيخ!- واللي رجعوا من اليمن، . . فيه اللي يقول نقر له أخطاءه وكذا، ولكن ما . . هل هو معناه إلزام. .
الشيخ: لا ما هو إلزام، لا تقاطعوه، الذي يرى هذا؛ لا تقاطِعوه؛ لأنه كثير من الناس. . إذًا: نهجر بعض مشايخنا الكبار لأنهم لم يهجروه!!
سائل: الله يبارك فيكم، وهم عندهم علم -يا شيخ!-، وفيه من الشباب. . 
الشيخ: ما عندهم عِلم! أصحابُ الهجرةِ ما عندهم عِلم، أصحاب التعجُّل في الهجر ليس عندهم عِلم، عرفتهم هنا عندكم، وفي الجزائر، وفي اليمن، وفي المغرب، وحتى في أوروبا؛ جهلة يدَّعون أنهم علماء!!
سائل: طيب، بارك الله فيك -يا شيخ!- الآن أحكي عن الطلبة الذين كانوا هم في اليمن، هم عندهم شيء من العلم، وعندهم. . فالمسألة هذه بالذات عنا الشباب يا اللي ما ظهروا أو ما يعرفوا الفتنة؛ فيقولوا أنت ضروري يا إما تبين حالك من هذا الشخص أو يهجروهم. .
الشيخ: هذا خطأ، ولا يجوز. . لا يجوز الهجر، لا يجوز هجرهم؛ لأنهم يعني أنهم جهال في الموضوع هذا وما أدركوه.
سائل: هذا لعامة الناس، لكن الذين كانوا عاشروا أبو الحسن. . 
الشيخ: الذي لم يتضح له أمره، كثيرٌ مِن أهل العلم عندنا ما اتضح أمره، علماء كبار ما اتضح لهم أمره . . .
سائل: . . الشباب الذين كانوا عارفين. . 
الشيخ: اتركوا الهَجْرَ هذا، ما يَعنيكم أنتم -لا هم ولا هؤلاء الشباب-. . لستم أنتم الذين تطبِّقون الهجر.
سائل: والله -يا شيخ!- نحن في بلادٍ ينقص فيها العلم والعلماء. . 
الشيخ: هنا -عندنا- كثير ينقصُهم العلم، ويهجرون حتى على خلاف فقهي!! جهلة! سفهاء!
سائل: الله يبارك فيك. معناها -يا شيخ!- المودة أفضل وعدم [الهجر]؟
الشيخ: نعم.
سائل: يا شيخ! بعد إذنكم: هذه المكالمة مسجلة، هل ننشرها أم لا -يا شيخ!-؟
الشيخ: لا بأس.
سائل: الله يبارك فيكم -يا شيخ!-، نسأل الله أن ينفعَ بعلمكم.
الشيخ: حياكم الله، أهلا وسهلا، حياكم الله.