الصراع بين الإخوان المسلمين والسلفيين وعموم
المسلمين من علماء وغيرهم.
أصول الخلاف والحقوق الشرعية
(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية والعقدية)
الحلقة (4)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني
أصول الخلاف والحقوق الشرعية
(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية والعقدية)
الحلقة (4)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني
الخلافات بين الدعاة في العصر الحديث واضحة لكل عاقل بصير بأحوال الأمة، وقبل الخوض في هذه الخلافات وأصولها وأسبابها وعلاجها ضمن حقوق شرعية أخوية أشير إشارة طفيفة إلى أصل الخلاف بين الإخوان المسلمين والسلفيين، مع العلم أن بعض السلفيين (كقادة حزب الرشاد السلفي وحزب النور السلفي أنموذجاً) تأثر ببعض أطروحات الإخوان المسلمين رغم خلافه ونقده لهذه الجماعة التي أسسها الأستاذ حسن البنا رحمه الله.
فأقول وبالله التوفيق:
منشأ الخلاف بين السلفيين والإخوان المسلمين يعود إلى أصولٍ، رفض الإخوان المسلمون التخلي عنها رغم تصادمها مع نصوص الكتاب والسنة.
وأهم هذه الأصول ما يأتي:
الأول أن الإمامة والبيعة لا بد أن تكون لأمير جماعة الإخوان، لا لولي الأمر «حاكم الدولة».
وهذا يتعارض مع نصوص الشريعة وأصولها، فإن البيعة لا تكون إلا لحاكم البلدة باتفاق العلماء سلفهم وخلفهم حتى وإن كان ظالما أو فاسقا؛ حقنا للدماء, وحفظا للأمن والاستقرار، مع وجوب نصيحة ولي الأمر بالحكمة والرفق خوفاً من بطشه ودرء لحصول المفاسد حال الغلظة عليه.
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا] النساء: ٥٩
وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبسي كأن رأسه زبيبة»(1)
وأخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع؛ فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».(2)
ولا تتعارض هذه الطاعة بإنكار المنكرات وقول كلمة الحق عند سلطان جائر، فالخروج عليه بالثورات والانقلابات شيء يتعارض مع نصوص الشريعة، وإنكار المنكرات وقول كلمة الحق شيء آخر لا مانع منه في حدود أدلة الشرع المطهر.
الثاني: حصر وحدة الأمة في جماعة الإخوان منهجا.
إذ الإخوان لا يرون الوحدة والاجتماع إلا باجتماع الأمة تحت منهج الجماعة، باعتبار أن حكام المسلمين اليوم ليسوا أهلا للحكم، وأنهم هم جماعة المسلمين التي تدرك الواقع وأخطار الأعداء، والمؤهلة للوصول إلى كرسي الخلافة الإسلامية.
الثالث: الرضوخ لبعض القوانين الوضعية المخالفة للنصوص الشرعية ليس اعتقادا منهم بأنها مقدمة على الشرع، وإنما بحجة الوصول لكرسي الحكم، وفي هدا إشارة لتطبيق قاعدة «الغاية تبرر الوسيلة» رغم أنهم يرفضون هذه القاعدة من أصلها من خلال ندواتهم، ويقولون: إنها من قواعد العلمانية، فخالف فعلُهم قولهم بسبب شهوة الكرسي الذي يدَّعون أنهم لو وصلوا إليه فسيقيمون الشرع، ويعيدون للأمة شرفها وقدرها على سائر الأمم.
لقد اتخذ الإخوان المسلمون الديمقراطية مطية للوصول إلى كرسي الحكم؛ حتى صرح بعضهم بأنها من صميم الإسلام، فقال: «إن الإسلام لا يتعارض مع قيام أحزاب سياسية ولا يتعارض مع الديمقراطية؛ بل إن لب الديمقراطية من صميم الإسلام(3)».
كذا صرح عبد الخالق فريد عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين من خلال لقاء صحفي معه في مجلة المصور.
وأيضا قال: «في رأينا أن حل الأزمة الاقتصادية يرجع إلى تعميق وإطلاق الحرية والديمقراطية، وعلاج مشاكلنا بمزيد من الديمقراطية».(4)
ومن أقوال فخامة الرئيس المنقلب عليه " محمد مرسي " عبر القنوات الفضائية ما يأتي:
1- لا يوجد خلاف عقائدي بين المسلمين والمسيحين، وإنما هو خلاف ديناميكي آليا ووسائل.(5)
2- قطع يد السارق ليس من الشريعة وإنما هو أحكام فقه(6).
3- المرجعية في اختيار الرئيس هو الشعب ولا مانع أن يكون نصرانيا.(7)
4- لا مانع أن تتولى رئاسة الحزب امرأة.(8)
كما تحالفوا مع بعض الأحزاب المنحرفة: كالبعثية، والاشتراكية، والناصرية، ونحوها في كثير من الدول العربية وسموه توافقا، ونادوا إلى الحريات واحترام الرأي والرأي الآخر بما لا ينضبط بضوابط النصوص الشرعية؛ بل بطرق مطاطية تتعارض مع نصوص الشرع، وقد ناقشنا بعض الفضلاء منهم فقالوا: كل هذا مجرد سياسة لا ديانة، فقلنا لهم: سياسة عندكم كمنظرين ومفكرين، أما من حولكم من الشباب المسكين والعوام فقد ظنوها ديانة بسبب التقليد والجهل والهوى الذي عمَّ شعوب الأمة .
بل لو قلتم: «مجرد سياسة» أيجوز لكم أن تلعبوا بالدين وأحكامه المطهرة على هواكم لأجل شهوة الكرسي؟، وتقولون "هي مجرد سياسة".
ثم إن هذا التوسع على حساب الدين بقميص نصرة الدين لن يحقق لهم غاية الوصول إلى الكرسي؛ لأن من عصى الله وخالف أصول شرعه وتتعدى على حكمه للعمل بغير ما أنزل الله ولو ضمناً فهو محارب لشرعه، فكيف ينصر الله من حارب شرعه، وهو القائل: [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ] الروم: ٤٧.
والعجب العجاب: أن هؤلاء يتوهمون أنهم بطريقتهم هذه سيحكمون الأمة شرعيا، إذ الحاكم الحقيقي لو ظفروا بالكرسي هو النظام الديمقراطي أو الرأسمالية، حتى وإن تولوا رئاسة الدولة؛ لماذا؟ لأن رضوخهم تم للمسار الديمقراطي - بدليل خوض الانتخابات والتعددية الحزبية والتحالفات مع من يحارب الدين من أصحاب الأحزاب العلمانية واللبرالية والرجعية واليسارية ونحوها – وهذا كله يفرض عليهم العمل به وإلا رفضهم مخالفوهم من دعاة الديمقراطية بالمظاهرات والانقلابات، وهذا ما حصل بمصر في العصر الحديث؛ حيث انقلب الحكم لغيرهم، وفي الحالين - فأنتم بطريقتكم هذه تحكمون بغير ما أنزل الله، سواء ألبستموه قميص الدين زورا أم ألبستموه قميص الديمقراطية كرها، طالما وأصل الوصول للحكم خاضع لغير دستور الإسلام.
ثم إنكم لو فشلتم في الانتخابات ولم تصلوا للحكم فيلزمكم الاستسلام لغالبية الأصوات والاعتراف بفوز مخالفيكم كرها، حتى وإن كان رئيسهم يحارب الإسلام وأهله، ويرى أن الإسلام لا يصلح ديناً للدولة، وربما بعضكم هنَّأه بالفوز، وتبررون التهنئة لغيركم - كعادتكم - أنها مجرد مداراة وسياسة.
الرابع: توسعهم في جمع الناس على منهج الجماعة حتى ولو كان من أشد أعداء الدين، نظرا لقاعدتهم المشهورة التي رسمها مؤسس الجماعة الأستاذ حسن البنا رحمه الله: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه».
حيث يقبلون في الجماعة كأعضاء: الرافضي، والجهمي، والمعتزلي، والجارودي، والصوفي، ونحوهم من أهل الضلال المحسوبين من الثلاثة وسبعين فرقة؛ بل ويشركون معهم بعض البعثيين والناصريين بحجة تكثير الأعضاء للوصول إلى كرسي الحكم، وهم غير مكلفين شرعا بالوصول إليه؛ لأن الوسيلة المنافية للشرع تتعارض مع المقاصد المشروعة، وما قام على باطل فهو باطل.
وبذا يمتنع الاتفاق بين السلفيين الذين ينادون إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وبين الإخوان المسلمين الذين يتصادم منهجهم مع بعض نصوص الشريعة الغراء.
ومعنى ذلك أن يبقى أمام أصحاب المنهج السوي والإخوان المسلمين منهج للتعامل الشرعي في حدود الشرع، فيثبت للإخوان المسلمين حق الإسلام وحق الأخوة الدينية، مع الاعتبار: أن منهجهم لا يخلو من خلل - كما سبق بيانه -، فمن اعتقد أنه منهج الدين الذي تعبدنا الله به فهو من المبتدعة بخلاف عوام الاتباع منهم - ممن يجهل حكم أصول منهج الإخوان، وكذا من لم تبلغه الحجة من القادة الذين يجهلون أحكام الشرع لعدم طلبهم العلم الشرعي - ومن باب أولى عموم المسلمين(9)-، فهؤلاء نحبهم على قدر ما فيهم من إيمان ونبغضهم على قدر ما فيهم من عصيان، ونرجو لنا ولهم الهداية والرشاد، ولا نناصرهم على شيء يتصادم مع نصوص الشريعة السمحة، وإذا هاجم الكفار بلاد المسلمين فنحن والإخوان المسلمون وغيرهم من أهل النحل القبلية الأخرى إخوة في مقاتلة الكافرين لحديث «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم ويرد على أقصاهم»(10).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : «والواجب على كل مسلم أن يكون حبه، وبغضه، وموالاته، ومعاداته تابعا لأمر الله ورسوله، فيحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي من يوالي الله ورسوله، ويعادي من يعادي الله ورسوله، ومن كان فيه من يُوالى عليه من حسنات، وما يعادى عليه من سيئات عومل بموجب ذلك؛ كفساق أهل الملة؛ إذ هم مستحقون للثواب والعقاب، والمولاة والمعاداة، والحب والبغض بحسب ما فيهم من البر والفجور ...: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ](11)اهـ.
وقال رحمه الله : ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، وقد بُسط هذا في موضعه(12).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين- رحمه الله تعالى -: «وإذا كان مؤمن عنده إيمان وعنده معصية، فنواليه على إيمانه، ونكرهه على معاصيه، وهذا يجري في حياتنا؛ فقد تأخذ الدواء الكريه الطعم، وأنت كاره لطعمه، وأنت مع ذلك راغب فيه؛ لأن فيه شفاء من المرض، وبعض الناس يكره المؤمن العاصي أكثر مما يكره الكافر، وهذا العجب، هو قلب للحقائق، فالكافر عدو لله، ولرسوله، وللمؤمنين، ويجب علينا أن نكرهه من كل قلوبنا: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ] [الممتحنة: ١] – [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ] المائدة: ٥١ – ٥٢.
فيَصِل المطيع وإن عظمت معصيته؛ لقوله - تعالى – فيمن قَتَلَ مؤمنا عمدا: [فمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ] البقرة: ١٧٨. فجعل الله القاتل عمدا أخا للمقتول، مع أن القتل - قتل المؤمن عمدا - من أعظم الكبائر، وقوله تعالى في الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين[وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا] الحجرات: ١٠. فلم يخرج الله الطائفتين المقتتلتين من الإيمان ، ولا من الأخوة الإيمانية»(13) اهـ.
وما سبق من كلام ابن تيمية وابن عثيمين القائم على نصوص الكتاب والسنة، يتنزل في عموم المسلمين طائعين وعصاة.
وللكلام بقية، استأنفه بمشيئة الله في حلقة الغد.
ـــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى (2/140 حديث رقم 293)].
(2) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الجهاد والسير، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (23/1472 حديث رقم 1844)].
(3) مجلة المصور المصرية، عدد: 3217، 29/ رمضان/1406 هـ، 6/7/1986.
(4) فريد عبد الخالق، الإخوان المسلمون في ميزان الحق(ص295).
(5) كذا شاهدناه له من خلال مقابلة تلفزيونية على قناة المحور، والمادة محفوظة على اليوتيوب.
(6) قال ذلك من خلال مقابلة تلفزيونية على قناة الحياة، والمادة محفوظة على اليوتيوب.
(7) المصدر السابق.
(8) المصدر السابق نفسه.
(9) ومثلهم الحكومات الإسلامية في العصر الحديث، وقد أحسن شيخنا مقبل الوادعي عندما قال :«الحكومات نحبها بقدر ما فيها من الخير، ونبغضهم بقدر ما فيها من الشر» اهـ [مقبل الوادعي، هذه دعوتنا وعقيدتنا (ص20)]
(10) أخرجه أبو داود في سننه [كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر (3/80 رقم 2751)]، والنسائي في السنن الكبرى [كتاب السير، باب إعطاء العبد الأمان (8/56 رقم 8628]، وابن ماجة في سننه [كتاب الديات، باب المسلمون تتكافا دماءهم (2/895 رقم2683)، وأحمد في مسنده (2/268 رقم 959)، والحديث صحيح بشواهده.
(11) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (35/94).
(12) ابن تيمية، منهاج السنة (4/543 - 4).
(13) ابن عثيمين، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (3/11،12).



