الخميس، 28 سبتمبر 2017

المدخلية العامَّة والعلمانية الإسلاميَّة ... ؟ الشيخ مختار طيباوي

المدخلية العامَّة والعلمانية الإسلاميَّة ... ؟
يُسمِّى كثير من النَّاس حركات التَّغيير والإصلاح السِّياسيَّة الإسلاميَّة ب" الإسلام السِّياسيِّ" ويعدُّونه حشرا للدِّين المقدَّس في وسخ السِّياسة..!
والمؤسف انَّ هذا التَّبرير العلماني بدعة تروِّج لها تيَّارات إسلاميَّة كثيرة :سلفيَّة ،وصوفيَّة ،وتبليغية وغيرها...؟!
وهي ~ في الحقيقة ~ بالنِّسبة لهذه التيَّارات بدعة ورثناها من الدَّولة العبَّاسية، عندما ضعف العلم بمقاصد الشَّريعة وحقيقتها في مدرسة تولَّت القضاء تُعرِّف السِّياسة في كتبها بأنَّها التَّعزير في الجنايات (!؟!) ومع الوقت صارت السِّياسة في مقابل الشَْريعة...!
ثمَّ جاءت العلمانية المعاصرة التي دفعت الدِّين في ركن العبادة فقط بحسب مفهومها للدِّيانة.
ولما رأت بعض الإسلاميِّين يرفعون شعار : " الإسلام دين حياة عنده منظومة سياسيَّة واقتصاديَّة و أبعاد اجتماعيَّة " ممَّا يناقض الصُّورة التي تُقدِّمها عن الدِّين سمَّتهم " الإسلام السِّياسي".
وبهذا نفهم أنَّ منطلق التيَّارات الإسلاميَّة التي ترفض الإصلاح السِّياسيَّ تحت عنوان " رفض تسييس الدِّين" تلتقي مع مفهوم العلمانية للدِّين، وأنَّه مقتصر على عقيدة غيبية فقط، لا يُقبل منها أي تعلُّق بشؤون الحياة، و شعائر تعبُّدية، وانَّ الدِّين لا سياسة فيه الَّا بمعنى الأحكام السُّلطانية ،اي: التَّصرُّفات التي تقوم بها الدَّولة في :القضاء، والحسبة، وولاية الحرب، والعلاقات مع الدُّول الاجنبية.
ولهذا يعدُّون السِّياسة الشَّرعيَّة مرادفا للأحكام السُّلطانية، وهذا خطأ فإنَّ السِّياسة أعمُّ من الأحكام السُّلطانية إذ نجد فيها : أحكام الإمامة، والولاية، وشروط أهل الحل والعقد، ونصاب أهل الشُّورى، وإجراءات التَّولية، وشروط خلع الحاكم، ونظريَّة أهل الشوكة، والمتغلب، وتعدُّد المطالبين بالحكم.. . الخ.
ممَّا يتعلَّق بتنظيم التَّنافس على الحكم والسَّعي للسُّلطة بحسب البيئة آنذاك وقد فرضت الدولة الحديثة شروطا جديدة.
وعليه فإنَّ تعريف السِّياسة بأنَّها مجرَّد أحكام سلطانية هو تعريف قانوني، بعيد عن التَّعريف الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ، فالسِّياسة ليست مجرَّد إدارة الدَّولة لشؤونها ومصالح مواطنيها، بل هي من جهة : الإصلاح نفسه، فإنَّ من يقيم عدل اللَّه ورسوله في النَّاس فقد ساسهم بالشَّريعة.
ومن جهة :هي إجراءات هذا الإصلاح، ومنهج الوصول إلى تنفيذه.
ولهذا هي كلُّ مصلحة متحقِّقة لم يرد فيها دليل جزئيٌّ.
ولهذا السَّبب اختلفت تعاريف الفقهاء للسِّياسة بحسب النَّظر إلى إحدى الجهتين، فعند ابن عقيل هي : كلُّ فعل يكون النَّاس فيه أقرب إلى الصَّلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يخبر به الرَّسول، ولم ينزل به الوحي، بشرط عدم مخالفة شيئ من الشَّريعة ".
مع ضرورة أن نستحضر العجز عن واجب، أو الاضطرار إلى سيِّئة، أو تقديم سنَّة على واجب... الخ.
وبين تعريف العز ِّبن عبد السَّلام: إقامة الدِّين وسياسة الدُّنيا به.
وهو ما جمعه ابن خلدون تحت تقسيمه السِْياسة إلى: شرعيَّة مستفادة من الشَّرع، وعقليَّة تتعلَّق بالإجراءات والممارسات العلميَّة. لكنه اصطلاح ضعيف، و إن كان المضمون صحيحا، ورثه عن المتكلِّمين في جعل العقل في مقابل الشَّرع.
من الأحسن استعمال اصطلاح ابن القيم : الشرائع الكلِّيَّة الثابتة والأحكام السِّياسيَّة الجزئيَّة المتغيِّرة الدائرة مع عللها وعرفها وواقعها.
وبخلاف السِّياسة الغربيَّة اتَّفق الفقهاء الإسلاميُّون على أنَّه لا يجوز أن يخالف شيئ من السِّياسة الشَّريعة، فلا يوجد شيئ يسمَّى "عذر[سبب] الدَّولة، ولا دين لا يسوس النَّاس" لكن بالشَّريعة المنزَّلة، لا المؤوَّلة ولا المبدَّلة، هذه الشَّريعة التي تجدها حيث تجد العدل.
إذا فهمت هذا فهمت العلمانية الإسلاميَّة والدروشة الحديثة في بعض التيَّارات الإسلاميَّة.
هذه الشُّبهة :"السِّياسة هي الأحكام السُّلطانية فقط "موجودة عند رموز سلفيَّة لم ينتبهوا إلى أنَّنا في دولة حديثة شكلا أو مضمونا مخالفة من كلِّ وجه للدَّولة القديمة، و أنَّ الأحكام السُّلطانية "إدارة الدَّولة" تتبع دين الحاكم وعقيدته وفقهه ضمن إطار حضاري وثقافة مجتمعيَّة.
هناك من جعل للسِّياسة مكانة في دعوته للإصلاح، لكن بدون رؤية واضحة ومفصَّلة، مجرَّد تواجد ذوات في المشهد السِّياسيِّ، مع مدخلية =" الجمود على فكرة متحزبة" ...!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق