مناقشة هادئة حول الديمقراطية مع المثقفين العصريين
تصحيح مفاهيم
( ضمن موضوع دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية واصول الأحزاب السياسية)
الحلقة (2)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني
في الحلقة الأولى تكلمت عن " الاختلاف بين الاسلام والديمقراطية وزوبعة الغوغائية "، وقد أُعجب بالموضوع مئات القراء، وعلق جمع منهم بالشكر والثناء، كما تواصل معي عبر التعليق شخصان أو أكثر حيث شكروا طرح الموضوع وما جاء فيه، وكتبوا لي من خلال بعض تعليقاتهم، معنى الديمقراطية وفقاً لما يفهمونه كأشخاص أعزاء خلقهم الله في دولة أو دول تجيز الديمقراطية من خلال التعددية الحزبية والانتخابات الديمقراطية، وربما فهموه من خلال التلفزيونات ووسائل الاعلام أو المجالس العامة أو تلقوه من بعض الشخصيات غير الدارسة، وخرجوا بتصور خاص بهم للديمقراطية، واستنتجوا من ذلك معنى الديمقراطية ومفهومها بفكر محدود، وقالوا هذه هي الديمقراطية دون أن يرجعوا لمصادر الغربيين الذين شرَّعوا الديمقراطية للبشر من دون الله.
وبعضهم قال : الديمقراطية آليات وتنظيمات لا دخل لها بالدين.
والجواب ما يلي :
أولاً : من الخطأ الشائع لدى بعض الناس في عصرنا الحاضر وخاصة النشأ أن يفهم الديمقراطية بفهمه المحدود قبل أن يطلع على حقيقتها ومفهومها من كلام وأقلام من أسسها وصنعها وخاصة أقطابها ورواجها كـــ : لورد برايس وسيلي وجون سنيوارت وغيرهم.
فلم يقل هؤلاء الديمقراطيون : إن الديمقراطية مجرد آليات لأمور إدارية تنظيمية، بل قالوا هي تشريع لحكم الشعب نفسه بنفسه ليختار الحاكم مع مطلق الحرية لسن أحكامه عبر الناخبين بشكل دوري من خلال المجالس البرلمانية.
ولذا لا تعترف الديمقراطية بأحكام شرعية إسلامية أبداً، ولو كانت تعترف بذلك ما ناقش البرلمانيون في البلاد الاسلامية، ومنها عربية التصويت على جواز بيع الخمر بالأغلبية، أليس شرب الخمر محرماً بالكتاب والسنة ولا يقبل التصويت؟!! وهناك دول عربية صوتت على الاختلاط في المدارس والجامعات من خلال البرلمان بالأغلبية أليس الاختلاط محرماً وذريعة للمفاسد ومنصوصاً على تحريمه؟!!
وهناك دول عربية صوتت على جواز النوادي الليلية مع التغاضي عن بيع الخمور فيها ووجود الداعرات والزنا، أليس هذا منصوصا على تحريمه؟!! وأمثلة كثيرة، ناهيك عن تطبيق التشريع الديمقراطي بحذافيره في البلاد الكافرة والتي كان من أواخرها تصويت الديمقراطيين على إباحة زواج الرجل بالرجل واعتماده في المحاكم في أمريكا وغيرها من الدول الأخرى، وقد بارك الرئيس أوباما هذا الفوز بنجاح الشواذ وحصولهم على الأغلبية الساحقة في أمريكا، وصار شرعاً مسموحاً به بأمريكا مُنذ 26 يونيو 2015م، وأمريكا هي الدولة الثامنة عشر التي تَسمَح بزواج الرجل بالرجل من خلال النظام الديمقراطي، وبعض الدول العربية تتدرج في سن قوانين تمثل خطورة على أفكار وعقائد المسلمين من خلال النظام الديمقراطي الذي صفق له بعض الاسلاميين، وهناك دولة عربية لا أحب ذكر اسمها يدور في أروقتها مناقشة بعض القضايا التي تخل بأخلاق المسلمين من خلال المجالس البرلمانية الديمقراطية، وكل هذا بسبب اننا تلقينا الديمقراطية بالترحيب قبل أن نعي حقيقتها من خلال من أسسها.
ومن المعلوم لدى كل عاقل أنه لا يحل أصلا في شريعتنا الإسلامية التصويت على أحكام ورد فيها نص شرعي.
لذا الديمقراطية نظام تشريعي من الدرجة الأولى باتفاق قادتها ومؤسسيها، بل وهذا واقعها كما أسلفت لكم في الأمثلة السابقة، وليس مجرد نظام آليات وأنظمة إدارية.
ولا يقول قائل نأخذ من الديمقراطية " الجانب التنظيمي لاختيار حاكم الدولة عبر صناديق الاقتراع كرئيس للدولة ونواب البرلمان ومسؤولي السلطة المحلية كالمحافظين ومدراء المديريات وأجهزة الرقابة علي سير أعمال الحكومة والسلطة التنفيذية..... الى آخره من التنظيمات الادارية.
فمن الخطأ أن يفهم المتعلم أن هذه الآليات متعلقة بالديمقراطية، بل الحكومات الشيوعية والفاشية وكذا الدول الاسلامية منذ القدم في الدولة الأموية والعباسية وهكذا إلى الدولة العثمانية وكذا بعض الدول الأخرى غير الديمقراطية عندها آليات تنظيمية ولا تأخذها من الديمقراطية لأن الديمقراطية نظام تشريعي، وعندما قامت دول الغرب ببناء الدولة الديمقراطية وضعت آليات بناء الدولة من خلال علم الاجتماع والعلوم الادارية الأخرى.
فالتنظيم الاداري له كلية في الجامعات تسمى بكلية العلوم الادارية، وفيها عدة أقسام ومنها قسم العلوم الادارية السياسية، وفيها يتم دراسة كل ما يتعلق بهيكلة الدولة وفقاً لأي نظام إسلامي بحت أو شيوعي أو ديمقراطي أو غيره، فالإدارة شئ والتشريع الديمقراطي شئ آخر.
النظم الادارية واختيار الحاكم موجودة كلها في النظام الاسلامي، وقد ناقشها العلماء الأكابر كابن تيمية وابن القيم والنووي وابن حجر وغيرهم كثير، وبينوا ما يتعلق بالدولة وشروط الحاكم وشروط ومجلس الشورى وشروط أعضائه ونحوها وفقاً للنظام الاسلامي، وأيضاً علماء الاجتماع كعبد الرحمن بن خلدون في القرن الثامن الهجري تكلم عن الدولة وعن بنائها وأطال فيها النفس، وأيضاً غيره من علماء الاجتماع المحافظ أطالوا النفس في هذا الباب، بل ونقدوا ابن خلدون في بعض أطروحاته وصححوا بعض المسارات التنظيمية والهيكلية في بناء الدولة الحديثة بما لا يتصادم مع أدلة الشريعة الاسلامية.
للأسف يظن بعض المتعلمين أن الدول الديمقراطية وحدها هي التي فيها النظم الادارية وأن المسلم لن يستطيع يقوم بدولة مدنية منظمة حتى يخوض غمار الديمقراطية وهذا فهم خطا.
يا إخواني أكرر وأقول : النظام الديمقراطي هو نوع من أنظمة التشريع البشري الوضعي الذي قام لأسقاط حكم الاديان ومنها الدين الاسلامي، وهذه قاعدة عند مؤسسي الديمقراطية اليونان ومعمول بها حتى هذه اللحظة، فليست الديمقراطية مجرد آليات وتنظيم إداري، أو ممكن أن نأخذ من الديمقراطية الادارة، لأن الادارة شئ مستقل لا غنى عنها للنظام الديمقراطي الحاكم وغيره من الانظمة الأخرى كالليبرالية والفاشية والديكتاتورية والشيوعية والاشتراكية ونحوها، فكل هذه الأنظمة ومنها النظام الاسلامي تستفيد من علم الاجتماع والعلوم الادارية كل ما يتعلق بتنظيم الدولة.
وقد استفاد المسلمون من علم الاجتماع والعلوم الادارية تنظيم دولهم، فلا يمنع أن نستفيد نحن كمسلمين في ظل الدولة الإسلامية المحافظة من علوم الاجتماع والعلوم الادارية لتنظيم إدارة الدولة، فهذه شؤون دنيوية مباحة طالما ليس فيها ما يتعارض مع الشرع، لكن لا يظن الناس أن هذا محصور بالنظام الديمقراطي لأن دارسي العلوم الادارية الأكاديمية سيتعجبون مما يطرحه من لا يعرف حقيقة ومفهوم الديمقراطية ولأنه كلام مخالف لواقع إدارة الدول.
فالنظم الادارية في الدولة يتم سنها بموجب دراسة العلوم الإدارية وهي تخصص جامعي، والميزانية مثلاً من خلال دراسة ادارة أعمال القطاع العام، وشروط الحاكم ومدة حكمه وكذا أنظمة المرور ومن سيتولى السلطة المحلية كالمحافظين ومدراء المديريات وأجهزة الرقابة علي سير اعمال الحكومة والسلطة التنفيذية وغيرها، كلها يقررها اعضاء عاملين في الدولة ووزاراتها وهيئاتها وفي مجلس الشورى من أهل الحل والعقد وبعض الشخصيات الاستشارية والادارية في الدولة الاسلامية التي تحكم بالنظام الاسلامي، وهكذا بقية الامور الشكلية في بناء الدول وأنظمتها الآلية.
فالإسلام دين ونظام وقد حكم العالم لسنوات طويلة بلا ديمقراطية، وهذا هارون الرشيد حكم ربع الكرة الأرضية بلا ديمقراطية وقبله الخلفاء الراشدون وأيضاً الدولة الأموية والعباسية ودولة السلاجقة السنية التي قامت في إيران والعراق وسوريا وآسيا الصغرى، والدولة العثمانية وغيرها من دول الاسلام السالفة، كلها لديها أنظمة إدارية مرتبة من غير ديمقراطية.
فالنظام الاسلامي فيه آليات واجتهادات لعلماء الاسلام تصب في مصب أدلة الكتاب والسنة من غير نظر لآلية الديمقراطية لأنها تتصادم مع أحكام الدين.
الذي يؤلمنا أن كل واحد يريد عن يعبر عن مفهومه للديمقراطية لا بمفهوم الديمقراطية الذي قامت عليه في عقر دارها، وبالتالي نعطي الجمهور معلومة خاطئة عن حقيقة الديمقراطية، ولا ندري بأنفسنا إلا وقد صرنا آداه للكافرين ولقمة سائغة للأعداء من غير شعور وهذا ما وقع فيه بعض الاسلاميين والمثقفين من الأحزاب الأخرى الذين زلت السنتهم واقلامهم بمدح الديمقراطية لآجل يغطوا بعض غلطاتهم أمام جمهورهم الذي تلقى كلامهم وكأنه الحقيقة.
عوداً إلى ذي بدء أقول الديمقراطية كما عرفها أهلها هي : أصل يوناني مكون من مقطعين احدهما demos وتعني الشعب والأخرى crates وتعني الحكم أو السلطة، لذا فمعناها عندهم : " الشعب هو صاحب السلطة أو الشعب يحكم نفسه بنفسه.
إذن من التعريف يتبين لك أنها تشريع وضعي من خلاله يختار الشعب حاكمه وأحكامه التشريعية التي تحل ما تراه وتحرم ما تراه، ولذا قلت سابقاً : " فالحلال والحرام في النظام الديمقراطي ما أحله وحرمه البرلمان المكون من المخلوقين الضعفاء الذين اختارهم الشعب سواء كانوا صالحين أو فاسدين، مسلمين أو غير مسلمين، فلهم الحق او لبعضهم في ظل النظام الديمقراطي التصويت على جواز شرب الخمور والزنا وإقامة بيوت الدعارة ونكاح الرجل من الرجل وعدم ولاية الآباء على الأبناء والبنات إذا بلغوا سن ١٨ سنة وجواز إسقاط كل الحدود الشرعية وإباحة الاختلاط في المدارس والجامعات ونشر الرذيلة ومحاربة الدين وتضييق وسائل الدعوة على العلماء والدعاة ونحوها من المحرمات، فإذا صوت المنتخبون على جواز ما تقدم بغالبية الأصوات فقد صارت مباحة ومشروعة ولا يحق للعلماء ان يحتجوا على البرلمان بعد اعتمادها بقال الله وقال رسوله لأن النظام الديمقراطي لا يعترف بأحكام الاسلام، وهاهي مثل هذه الامور قد بدت بوادرها غير المشرفة في وطننا العربي".
ويؤكد تعريفها الذي قلناه ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام في إحدى خطبه : " بأنها حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل الشعب".
والحاصل : أنها تشريع أو شكل من أشكال التشريع الذي يشارك فيه كل فرد من أفراد المجتمع بشكل دوري لاختيار الحاكم وممثليه في مجلس البرلمان الذي يسن القوانين والأحكام، وهذا خلاصة كلام أقطاب الديمقراطية كـــ : لورد برايس وسيلي وجون سنيوارت وغيرهم.
فافهموا الديمقراطية على حقيقتها يا أبناء الاسلام، وانتبهوا للأخطار التي تحوم حولكم.
وفي اللقاء القادم سنتكلم بمشيئة الله، عن دور المسلمين المحافظين في ظل النظام الديمقراطي وطريقة التعامل مع النظام وحاكمه وفقاً لأدلة الكتاب والسنة، فابقوا معنا.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
تصحيح مفاهيم
( ضمن موضوع دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية واصول الأحزاب السياسية)
الحلقة (2)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني
في الحلقة الأولى تكلمت عن " الاختلاف بين الاسلام والديمقراطية وزوبعة الغوغائية "، وقد أُعجب بالموضوع مئات القراء، وعلق جمع منهم بالشكر والثناء، كما تواصل معي عبر التعليق شخصان أو أكثر حيث شكروا طرح الموضوع وما جاء فيه، وكتبوا لي من خلال بعض تعليقاتهم، معنى الديمقراطية وفقاً لما يفهمونه كأشخاص أعزاء خلقهم الله في دولة أو دول تجيز الديمقراطية من خلال التعددية الحزبية والانتخابات الديمقراطية، وربما فهموه من خلال التلفزيونات ووسائل الاعلام أو المجالس العامة أو تلقوه من بعض الشخصيات غير الدارسة، وخرجوا بتصور خاص بهم للديمقراطية، واستنتجوا من ذلك معنى الديمقراطية ومفهومها بفكر محدود، وقالوا هذه هي الديمقراطية دون أن يرجعوا لمصادر الغربيين الذين شرَّعوا الديمقراطية للبشر من دون الله.
وبعضهم قال : الديمقراطية آليات وتنظيمات لا دخل لها بالدين.
والجواب ما يلي :
أولاً : من الخطأ الشائع لدى بعض الناس في عصرنا الحاضر وخاصة النشأ أن يفهم الديمقراطية بفهمه المحدود قبل أن يطلع على حقيقتها ومفهومها من كلام وأقلام من أسسها وصنعها وخاصة أقطابها ورواجها كـــ : لورد برايس وسيلي وجون سنيوارت وغيرهم.
فلم يقل هؤلاء الديمقراطيون : إن الديمقراطية مجرد آليات لأمور إدارية تنظيمية، بل قالوا هي تشريع لحكم الشعب نفسه بنفسه ليختار الحاكم مع مطلق الحرية لسن أحكامه عبر الناخبين بشكل دوري من خلال المجالس البرلمانية.
ولذا لا تعترف الديمقراطية بأحكام شرعية إسلامية أبداً، ولو كانت تعترف بذلك ما ناقش البرلمانيون في البلاد الاسلامية، ومنها عربية التصويت على جواز بيع الخمر بالأغلبية، أليس شرب الخمر محرماً بالكتاب والسنة ولا يقبل التصويت؟!! وهناك دول عربية صوتت على الاختلاط في المدارس والجامعات من خلال البرلمان بالأغلبية أليس الاختلاط محرماً وذريعة للمفاسد ومنصوصاً على تحريمه؟!!
وهناك دول عربية صوتت على جواز النوادي الليلية مع التغاضي عن بيع الخمور فيها ووجود الداعرات والزنا، أليس هذا منصوصا على تحريمه؟!! وأمثلة كثيرة، ناهيك عن تطبيق التشريع الديمقراطي بحذافيره في البلاد الكافرة والتي كان من أواخرها تصويت الديمقراطيين على إباحة زواج الرجل بالرجل واعتماده في المحاكم في أمريكا وغيرها من الدول الأخرى، وقد بارك الرئيس أوباما هذا الفوز بنجاح الشواذ وحصولهم على الأغلبية الساحقة في أمريكا، وصار شرعاً مسموحاً به بأمريكا مُنذ 26 يونيو 2015م، وأمريكا هي الدولة الثامنة عشر التي تَسمَح بزواج الرجل بالرجل من خلال النظام الديمقراطي، وبعض الدول العربية تتدرج في سن قوانين تمثل خطورة على أفكار وعقائد المسلمين من خلال النظام الديمقراطي الذي صفق له بعض الاسلاميين، وهناك دولة عربية لا أحب ذكر اسمها يدور في أروقتها مناقشة بعض القضايا التي تخل بأخلاق المسلمين من خلال المجالس البرلمانية الديمقراطية، وكل هذا بسبب اننا تلقينا الديمقراطية بالترحيب قبل أن نعي حقيقتها من خلال من أسسها.
ومن المعلوم لدى كل عاقل أنه لا يحل أصلا في شريعتنا الإسلامية التصويت على أحكام ورد فيها نص شرعي.
لذا الديمقراطية نظام تشريعي من الدرجة الأولى باتفاق قادتها ومؤسسيها، بل وهذا واقعها كما أسلفت لكم في الأمثلة السابقة، وليس مجرد نظام آليات وأنظمة إدارية.
ولا يقول قائل نأخذ من الديمقراطية " الجانب التنظيمي لاختيار حاكم الدولة عبر صناديق الاقتراع كرئيس للدولة ونواب البرلمان ومسؤولي السلطة المحلية كالمحافظين ومدراء المديريات وأجهزة الرقابة علي سير أعمال الحكومة والسلطة التنفيذية..... الى آخره من التنظيمات الادارية.
فمن الخطأ أن يفهم المتعلم أن هذه الآليات متعلقة بالديمقراطية، بل الحكومات الشيوعية والفاشية وكذا الدول الاسلامية منذ القدم في الدولة الأموية والعباسية وهكذا إلى الدولة العثمانية وكذا بعض الدول الأخرى غير الديمقراطية عندها آليات تنظيمية ولا تأخذها من الديمقراطية لأن الديمقراطية نظام تشريعي، وعندما قامت دول الغرب ببناء الدولة الديمقراطية وضعت آليات بناء الدولة من خلال علم الاجتماع والعلوم الادارية الأخرى.
فالتنظيم الاداري له كلية في الجامعات تسمى بكلية العلوم الادارية، وفيها عدة أقسام ومنها قسم العلوم الادارية السياسية، وفيها يتم دراسة كل ما يتعلق بهيكلة الدولة وفقاً لأي نظام إسلامي بحت أو شيوعي أو ديمقراطي أو غيره، فالإدارة شئ والتشريع الديمقراطي شئ آخر.
النظم الادارية واختيار الحاكم موجودة كلها في النظام الاسلامي، وقد ناقشها العلماء الأكابر كابن تيمية وابن القيم والنووي وابن حجر وغيرهم كثير، وبينوا ما يتعلق بالدولة وشروط الحاكم وشروط ومجلس الشورى وشروط أعضائه ونحوها وفقاً للنظام الاسلامي، وأيضاً علماء الاجتماع كعبد الرحمن بن خلدون في القرن الثامن الهجري تكلم عن الدولة وعن بنائها وأطال فيها النفس، وأيضاً غيره من علماء الاجتماع المحافظ أطالوا النفس في هذا الباب، بل ونقدوا ابن خلدون في بعض أطروحاته وصححوا بعض المسارات التنظيمية والهيكلية في بناء الدولة الحديثة بما لا يتصادم مع أدلة الشريعة الاسلامية.
للأسف يظن بعض المتعلمين أن الدول الديمقراطية وحدها هي التي فيها النظم الادارية وأن المسلم لن يستطيع يقوم بدولة مدنية منظمة حتى يخوض غمار الديمقراطية وهذا فهم خطا.
يا إخواني أكرر وأقول : النظام الديمقراطي هو نوع من أنظمة التشريع البشري الوضعي الذي قام لأسقاط حكم الاديان ومنها الدين الاسلامي، وهذه قاعدة عند مؤسسي الديمقراطية اليونان ومعمول بها حتى هذه اللحظة، فليست الديمقراطية مجرد آليات وتنظيم إداري، أو ممكن أن نأخذ من الديمقراطية الادارة، لأن الادارة شئ مستقل لا غنى عنها للنظام الديمقراطي الحاكم وغيره من الانظمة الأخرى كالليبرالية والفاشية والديكتاتورية والشيوعية والاشتراكية ونحوها، فكل هذه الأنظمة ومنها النظام الاسلامي تستفيد من علم الاجتماع والعلوم الادارية كل ما يتعلق بتنظيم الدولة.
وقد استفاد المسلمون من علم الاجتماع والعلوم الادارية تنظيم دولهم، فلا يمنع أن نستفيد نحن كمسلمين في ظل الدولة الإسلامية المحافظة من علوم الاجتماع والعلوم الادارية لتنظيم إدارة الدولة، فهذه شؤون دنيوية مباحة طالما ليس فيها ما يتعارض مع الشرع، لكن لا يظن الناس أن هذا محصور بالنظام الديمقراطي لأن دارسي العلوم الادارية الأكاديمية سيتعجبون مما يطرحه من لا يعرف حقيقة ومفهوم الديمقراطية ولأنه كلام مخالف لواقع إدارة الدول.
فالنظم الادارية في الدولة يتم سنها بموجب دراسة العلوم الإدارية وهي تخصص جامعي، والميزانية مثلاً من خلال دراسة ادارة أعمال القطاع العام، وشروط الحاكم ومدة حكمه وكذا أنظمة المرور ومن سيتولى السلطة المحلية كالمحافظين ومدراء المديريات وأجهزة الرقابة علي سير اعمال الحكومة والسلطة التنفيذية وغيرها، كلها يقررها اعضاء عاملين في الدولة ووزاراتها وهيئاتها وفي مجلس الشورى من أهل الحل والعقد وبعض الشخصيات الاستشارية والادارية في الدولة الاسلامية التي تحكم بالنظام الاسلامي، وهكذا بقية الامور الشكلية في بناء الدول وأنظمتها الآلية.
فالإسلام دين ونظام وقد حكم العالم لسنوات طويلة بلا ديمقراطية، وهذا هارون الرشيد حكم ربع الكرة الأرضية بلا ديمقراطية وقبله الخلفاء الراشدون وأيضاً الدولة الأموية والعباسية ودولة السلاجقة السنية التي قامت في إيران والعراق وسوريا وآسيا الصغرى، والدولة العثمانية وغيرها من دول الاسلام السالفة، كلها لديها أنظمة إدارية مرتبة من غير ديمقراطية.
فالنظام الاسلامي فيه آليات واجتهادات لعلماء الاسلام تصب في مصب أدلة الكتاب والسنة من غير نظر لآلية الديمقراطية لأنها تتصادم مع أحكام الدين.
الذي يؤلمنا أن كل واحد يريد عن يعبر عن مفهومه للديمقراطية لا بمفهوم الديمقراطية الذي قامت عليه في عقر دارها، وبالتالي نعطي الجمهور معلومة خاطئة عن حقيقة الديمقراطية، ولا ندري بأنفسنا إلا وقد صرنا آداه للكافرين ولقمة سائغة للأعداء من غير شعور وهذا ما وقع فيه بعض الاسلاميين والمثقفين من الأحزاب الأخرى الذين زلت السنتهم واقلامهم بمدح الديمقراطية لآجل يغطوا بعض غلطاتهم أمام جمهورهم الذي تلقى كلامهم وكأنه الحقيقة.
عوداً إلى ذي بدء أقول الديمقراطية كما عرفها أهلها هي : أصل يوناني مكون من مقطعين احدهما demos وتعني الشعب والأخرى crates وتعني الحكم أو السلطة، لذا فمعناها عندهم : " الشعب هو صاحب السلطة أو الشعب يحكم نفسه بنفسه.
إذن من التعريف يتبين لك أنها تشريع وضعي من خلاله يختار الشعب حاكمه وأحكامه التشريعية التي تحل ما تراه وتحرم ما تراه، ولذا قلت سابقاً : " فالحلال والحرام في النظام الديمقراطي ما أحله وحرمه البرلمان المكون من المخلوقين الضعفاء الذين اختارهم الشعب سواء كانوا صالحين أو فاسدين، مسلمين أو غير مسلمين، فلهم الحق او لبعضهم في ظل النظام الديمقراطي التصويت على جواز شرب الخمور والزنا وإقامة بيوت الدعارة ونكاح الرجل من الرجل وعدم ولاية الآباء على الأبناء والبنات إذا بلغوا سن ١٨ سنة وجواز إسقاط كل الحدود الشرعية وإباحة الاختلاط في المدارس والجامعات ونشر الرذيلة ومحاربة الدين وتضييق وسائل الدعوة على العلماء والدعاة ونحوها من المحرمات، فإذا صوت المنتخبون على جواز ما تقدم بغالبية الأصوات فقد صارت مباحة ومشروعة ولا يحق للعلماء ان يحتجوا على البرلمان بعد اعتمادها بقال الله وقال رسوله لأن النظام الديمقراطي لا يعترف بأحكام الاسلام، وهاهي مثل هذه الامور قد بدت بوادرها غير المشرفة في وطننا العربي".
ويؤكد تعريفها الذي قلناه ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام في إحدى خطبه : " بأنها حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل الشعب".
والحاصل : أنها تشريع أو شكل من أشكال التشريع الذي يشارك فيه كل فرد من أفراد المجتمع بشكل دوري لاختيار الحاكم وممثليه في مجلس البرلمان الذي يسن القوانين والأحكام، وهذا خلاصة كلام أقطاب الديمقراطية كـــ : لورد برايس وسيلي وجون سنيوارت وغيرهم.
فافهموا الديمقراطية على حقيقتها يا أبناء الاسلام، وانتبهوا للأخطار التي تحوم حولكم.
وفي اللقاء القادم سنتكلم بمشيئة الله، عن دور المسلمين المحافظين في ظل النظام الديمقراطي وطريقة التعامل مع النظام وحاكمه وفقاً لأدلة الكتاب والسنة، فابقوا معنا.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق