الأربعاء، 19 يوليو 2017

تَعْرِيف علم الْجرْح وَالتَّعْدِيل:
الْجرْح: بِفَتْح الْجِيم مصدر جرح كمنع وَهُوَ فِي اللُّغَة التَّأْثِير فِي الْجِسْم بِالسَّيْفِ وَنَحْوه، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل بِالْفَتْح فِي الْمعَانِي والأعراض بِاللِّسَانِ.
وَأما الْجرْح بِالضَّمِّ فَهُوَ الِاسْم وَأكْثر اسْتِعْمَاله بِالضَّمِّ فِي الْأَبدَان بالحديد وَنَحْوه وهما فِي اللُّغَة بِمَعْنى وَاحِد يُقَال فلَان جرح فلَانا أَي سبه وَشَتمه وجرح الْحَاكِم الشَّاهِد أسقط عَدَالَته وَذَلِكَ مجَاز وَيُقَال: جرح الرجل، أَصَابَته جراحه يَقُول مجد الدّين بن الْأَثِير: وَمِنْه حَدِيث بعض التَّابِعين "كثرت هَذِه الْأَحَادِيث واستجرحت" أَي فَسدتْ وَقل صَلَاحهَا وَهُوَ استفعل، من جرح الشَّاهِد إِذا طعن فِيهِ ورد قَوْله، أَرَادَ أَن الْأَحَادِيث كثرت حَتَّى أحوجت أهل الْعلم بهَا إِلَى جرح بعض رواتها ورد رِوَايَته.. وجرح بتَشْديد الرَّاء تجريحا أَكثر ذَلِك فِيهِ.
وَالْجرْح فِي الِاصْطِلَاح: رد الْحَافِظ المتقن رِوَايَة الرَّاوِي لعِلَّة قادحة فِيهِ أَو فِي رِوَايَته من فسق أَو تَدْلِيس أَو كذب أَو شذوذ أَو نَحْوهَا.
ويلاحظ فِي التَّعْرِيف أَنه اشْترط فِيمَن يرد رِوَايَة الرَّاوِي أَن يكون حَافِظًا متقنا وَهنا يرد بِهِ على الْبَعْض الَّذين يقحمون أنفسهم فِي غير مجالهم وتخصصهم ويطعنون فِي بعض الروَاة وَالرِّوَايَات وَإِلَيْك تَحْدِيد الْحَافِظ الَّذِي يملك حق الرَّد وَالْجرْح، قَالَ جمال الدّين الْمزي:- حينما سُئِلَ عَن حد الْحِفْظ الَّذِي إِذا انْتهى إِلَيْهِ الرجل جَازَ أَن يُطلق عَلَيْهِ الْحَافِظ قَالَ: "أقل مَا يكون أَن يكون الرِّجَال الَّذين يعرفهُمْ وَيعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أَكثر من الَّذين لَا يعرفهُمْ ليَكُون الحكم للْغَالِب.." وَقَالَ الشَّيْخ فتح الدّين بن سيد النَّاس: "وَأما الْمُحدث فِي عصرنا فَهُوَ من اشْتغل بِالْحَدِيثِ رِوَايَة ودراية وَجمع رُوَاة واطلع على كثير من الروَاة وَالرِّوَايَات فِي عصره وتميز فِي ذَلِك حَتَّى عرف فِيهِ خطه واشتهر فِيهِ ضَبطه، فَإِن توسع فِي ذَلِك حَتَّى عرف شُيُوخه وشيوخ شُيُوخه طبقَة بعد طبقَة بِحَيْثُ يكون مَا يعرفهُمْ من كل طبقَة أَكثر مِمَّا يجهله مِنْهَا فَهَذَا هُوَ الْحَافِظ".
وَمَا يحْكى عَن بعض الْمُتَقَدِّمين من قَوْلهم: "كُنَّا لَا نعد صَاحب حَدِيث من لم يكْتب عشْرين ألف حَدِيث فِي الْإِمْلَاء".
معنى الْحِفْظ:
للْعُلَمَاء اصْطِلَاحَات وألفاظ فِي معنى الْحِفْظ.. قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: "الْحِفْظ الإتقان.." وَقَالَ أَبُو زرعه: "الإتقان أَكثر من حفظ السرد"، وَقَالَ غَيره: "الْحِفْظ الْمعرفَة".
قدر الْحَافِظ:
عين أَئِمَّة الشَّأْن قدرا من الْأَحَادِيث إِذا حفظهَا الرَّاوِي صَار حَافِظًا وَمِمَّا رُوِيَ فِي قدر حفظ الْحَافِظ قَول أَحْمد بن حَنْبَل: "انتقيت الْمسند من سَبْعمِائة ألف حَدِيث وَخمسين ألف حَدِيث" وَقَالَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ: "كَانَ أَحْمد ابْن حَنْبَل يحفظ ألف حَدِيث قيل لَهُ وَمَا يدْريك قَالَ ذاكرته فَأخذت عَلَيْهِ الْأَبْوَاب.." وَيَقُول يحي بن معِين: "كتبت بيَدي ألف ألف حَدِيث". وَيَقُول البُخَارِيّ: "أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح ومائتي ألف حَدِيث غير صَحِيح.." وَيَقُول مُسلم بن الْحجَّاج: "صنفت هَذَا الْمسند الصَّحِيح من ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث مسموعة" وَيَقُول أَبُو دَاوُد السجسْتانِي: "كتبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسمِائَة ألف حَدِيث انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته كتاب السّنَن أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حَدِيث" وَقَالَ أَبُو زرْعَة: "أحفظ مائَة ألف حَدِيث كَمَا يحفظ الْإِنْسَان سُورَة قل هُوَ الله أحد. وَفِي المذاكرة ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث.." وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: "مَا كتبت سَوْدَاء فِي بَيْضَاء إِلَى يومي هَذَا وَلَا حَدثنِي رجل بِحَدِيث قطّ إِلَّا حفظته.." وَيَقُول إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: "أعرف مَكَان مائَة ألف حَدِيث كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا، وأحفظ سبعين ألف حَدِيث عَن ظهر قلب" وَقَالَ يزِيد ابْن هَارُون: "أحفظ خمسه وَعشْرين ألف حَدِيث بِإِسْنَادِهِ وَلَا فَخر وأحفظ للشاميين عشْرين ألف حَدِيث".
(1/54)

وَهُنَاكَ الْكثير من الْحفاظ غير مَا ذكرت مِمَّن يحفظون الْكثير وبمثل هَذَا الْحِفْظ يَسْتَطِيع الرَّاوِي أَن يعرف الْأَسَانِيد سَوَاء كَانَت للشاميين أَو للمصريين أَو للبصريين أَو الْمَدَنِيين أَو الخراسانيين وَمَا إِلَى ذَلِك مهما اخْتلفت، ويميز طَرِيق كل حَدِيث عَن غَيره وتصبح الرِّوَايَات والرواة مهما تَبَاعَدت الْبلدَانِ فِي حفظه وَبَين يَدَيْهِ وَيفرق بَين الصَّحِيح والسقيم مِنْهَا وَلَا يَسْتَطِيع دخيل أَن يندس بَين راوة الحَدِيث لِأَنَّهُ يعرف الروَاة بأعيانهم وأحوالهم وَلَا تخفى عِلّة عَلَيْهِ، وَعمل البُخَارِيّ مَعَ الَّذين آتوا بِمِائَة حَدِيث مَعَ عشرَة أشخاص مَقْلُوبَة السَّنَد والمتن ليختبروه فَلَمَّا سَمعهَا على الْحَالة الْمَذْكُورَة رد كل حَدِيث إِلَى سَنَده، وكل سَنَد إِلَى حَدِيثه، وَمَا ذَلِك إِلَّا لحفظه وتمكنه ومعرفته بتركيب الْأَسَانِيد والمتون، أما مَا يَفْعَله الْبَعْض من الجهلة والزنادقة من التطاول على سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والتعدي على المصنفات الحديثية الْمُعْتَمدَة ونقدها من غير حفظ وَلَا اطلَاع على فن الحَدِيث وعلومه ففعلهم مرض فِي قُلُوبهم وحقد على مصدر الْإِسْلَام وَبعد عَن الدّين وَاتِّبَاع للشَّيْطَان حَيْثُ قَامَ على غير أساس، وَلَو سَأَلت الْوَاحِد مِنْهُم كم يحفظ من الْأَحَادِيث بأسانيدها لأجابك بِالنَّفْيِ وفاقد الشَّيْء لَا يُعْطِيهِ.
وَالسَّبَب فِي رد الْحَافِظ المتقن رِوَايَة الرَّاوِي وَهُوَ مَا كَانَ فِيهِ من عِلّة قادحة فِيهِ أَو فِي رِوَايَته كَمَا جَاءَ فِي التَّعْرِيف، وَالْعلَّة عبارَة عَن سَبَب غامض خَفِي قَادِح فِي الحَدِيث مَعَ أَن ظَاهره السَّلامَة مِنْهُ أَي السَّبَب الغامض، وبتعريف آخر نقُول الحَدِيث الْمُعَلل مَا اطلع فِيهِ الْحَافِظ الْخَبِير بالفن على عِلّة تقدح فِي صِحَّته مَعَ ظُهُور السَّلامَة عَلَيْهِ وَتَكون الْعلَّة فِي الْإِسْنَاد الْجَامِع شُرُوط الصِّحَّة ظَاهرا مَعَ خفائها فِيهِ، أما علامتها وَكَيْفِيَّة مَعْرفَتهَا: فتعرف الْعلَّة بتفرد الرَّاوِي، وبمخالفة غَيره لَهُ مَعَ قَرَائِن تُضَاف إِلَى ذَلِك تنبه الْعَارِف بِهَذَا الشَّأْن الَّذِي أدمن الِاطِّلَاع فِيهِ وسبر أَهله على وهم وَقع بإرسال الْمَوْصُول أَو وقف فِي الْمَرْفُوع أَو دُخُول حَدِيث فِي حَدِيث أَو غير ذَلِك بِحَيْثُ يغلب على ظَنّه فَيحكم بِعَدَمِ صِحَة الحَدِيث أَو يتَرَدَّد فَيتَوَقَّف فِي قبُوله.. قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: "الْبَاب إِذا لم تجمع طرقه لم يتَبَيَّن خَطؤُهُ.." وَبَقِيَّة قيود التَّعْرِيف سنذكرها إِن شَاءَ الله بعد تَعْرِيف التَّعْدِيل.
التَّعْدِيل: جَاءَ من عدل الحكم أَقَامَهُ، وَعدل الرجل زَكَّاهُ، وَالْمِيزَان سواهُ، وَعَلِيهِ فالتعديل التَّقْوِيم والتسوية والتزكية، والعادل من النَّاس من يقْضِي بِالْحَقِّ وَالْعدْل من الْأَشْيَاء مَا قَامَ فِي النُّفُوس أَنه مُسْتَقِيم والمقبول والمرضى قَوْله وَحكمه، وَجَائِز الشَّهَادَة، وَتقول امْرَأَة عدل ونسوة عدل وَقد يجْرِي مجْرى الْوَصْف الَّذِي لَيْسَ بمصدر فَتَقول امْرَأَة عَدَالَة.
وَالتَّعْدِيل فِي الِاصْطِلَاح: وصف الرَّاوِي بِمَا يَقْتَضِي قبُول رِوَايَته..
زِيَادَة إِيضَاح:
وأستطيع أَن أعرفهُ بتعريف آخر مُجمل فَأَقُول: هُوَ علم يبْحَث فِيهِ عَن جرح الروَاة وتعديلهم بِأَلْفَاظ مَخْصُوصَة.. ومراتب تِلْكَ الْأَلْفَاظ..
وَهَذَا الْعلم من فروع علم رجال الحَدِيث وَلم تكْثر الْكِتَابَة فِيهِ مَعَ أَنه علم عَظِيم لِأَنَّهُ ميزَان رجال الحَدِيث ومعيار الحكم عَلَيْهِم وَهُوَ الحارس للسّنة من كل زيف ودخيل..
وَالْكَلَام فِي الرِّجَال جرحا وتعديلا ثَابت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ عَن كثير من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ، وَجوز ذَلِك تورعا وصونا للشريعة لَا طعن فِي النَّاس، وكما جَازَ الْجرْح فِي الشُّهُود جَازَ فِي الروَاة والتثبت فِي أَمر الدّين أولى من التثبت فِي الْحُقُوق وَالْأَمْوَال.. فَلهَذَا افترضوا على أنفسهم الْكَلَام فِي ذَلِك سَيَأْتِي بَيَان أول من عني بذلك من الْأَئِمَّة.

(1/55)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق