الأربعاء، 19 يوليو 2017

السابع: لا يَلْزم مِنْ نفْي الإيمان عمن قال كذا، أو فَعَلَ كذا وقوع الكفر أصلاً, فقد يكون هذا لنفْي الكمال الواجب للإيمان, لا لنفْي أصل الإيمان, ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-"والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جارُه بوائقَه"([1]) .
ونحو ذلك ما ورد في الأحاديث: "ليس منا..." أو "...فهو منهم" أو "لا يدخل الجنة..." أو "...فهو في النار" و "...فقد كفر" أو "...فقد أشرك" ونحو هذا، فلابد من معرفة المراد بهذه النصوص: هل المراد نَفْي أصل الإيمان، أو كماله الواجب؟ ولا يصح حَمْلها أو حَمْل بعضها على نفي المستحب، لأن تارك المستحب لا يقال في حقه: "ليس منا" أو: "لا يؤمن" ...الخ، ولو تأكدنا من أن المراد نفْي أصل الإيمان؛ فبقي مراعاة الشروط والموانع الأخرى.

الثامن: الكفر مضاد للإيمان, فيكون بالقول والعمل والاعتقاد, كما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد, والكفر له أصول وشُعب, كما أن الإيمان له أصول وشُعب, فإذا كان القول أو الفعل أو الاعتقاد ينافي أصل الإيمان, ويوافق أصل الكفر؛ فهو كفر أكبر, وإذا كان ينافي بعض شُعب الإيمان وواجباته, ويوافق بعض شُعب الكفر - التي لم تبلغ إلى درجة أصول الكفر- فهذا نَقْصٌ – بالصاد المهملة- في الإيمان, ونَفْيٌ لكماله الواجب لا أصل الإيمان.
ومع أن التكذيب والجحود أعظم أنواع الكفر وأُسُّه؛ لكن الكفر ليس محصورًا فيهما، فالكفر يكون: بالتكذيب، والجحود، والشك، والنفاق، والإعراض، والاستهزاء، والتولِّي، وغير ذلك مما نصَّ عليه أهل العلم، وإن كان بعضها مترادفًا لمعنى واحد، أو داخلاً في نوع آخر من أنواع الكفر، أو عائدًا إليه، إلا أن الحصر للكفر في التكذيب قول مجانب للصواب.

التاسع: ما كان كفرًا بذاته, أي أنه من أصول الكفر, فلا يُشترط في التكفير به استحلال فاعله, إنما يُشترط الاستحلال في المعاصي والذنوب التي هي دون الكفر، فإن الاستحلال لما حرم الله نوع مستقل من أنواع الكفر، بعد مراعاة شروطه وضوابطه، ولا يُشترط في التكفير للمعين توافر نوعين فأكثر من أنواع الكفر، بل هذا من زيادة الطغيان والجرأة على الله تعالى.
(تنبيه): استحلال المحرم كتحريم ما أوجبه الله في التكفير به، فمن استحل الفواحش والكبائر، كمن حرّم أداء الزكاة، وصوم رمضان، وبرَّ الوالدين، وصلة الرحم، وغير ذلك من الواجبات الشرعية المقطوع بوجوبها دون تأويل يُعْذَر به.

العاشر: الكفر كفران: أكبر وأصغر, وبعضهم يقول: كفر اعتقادي, وكفر عملي, وليس ذلك دقيقًا, فالكفر العملي منه ما هو أكبر وأصغر أيضًا, ومنه ما يدل على اعتقاد أمر مكفِّر, ومنه دون ذلك, وهناك أمور مكفرة سواء دلت على اعتقاد أمرٍ مُكَفِّرٍ أم لا, ولا يُشترط معرفة اعتقاد المرء فيها, إنما هي كفْر مجرد, كمن سجد لصنم, أو سب الرب عز وجل, أو رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, وادعى أنه فعل ذلك إغاظة لفلان, أو تقليد لفلان، وإلا فهو لا يعتقد ذلك, فلا يُقبل منه هذا, ويُحكم بكفره وإن أصرَّ على ذلك بعد مراعاة الشروط والموانع.
وكذا الشرك شركان: أكبر وأصغر, والنفاق نفاقان: اعتقادي وعملي, أو أكبر وأصغر, والفسق فسقان, والظلم ظلمان, والذنب ذنبان, والمعصية معصيتان, والبدعة بدعتان, والجهل جهلان, والضلال ضلالان,...الخ، ولا بد من الرجوع في تفصيل ذلك إلى سياق الأدلة, والجمع بينها, وشروح العلماء, وإلا فهذا مَظِنة مزلة أقدام, وضلال أفهام, والله المستعان.

الحادي عشر: المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الكبيرة أو الكبائر وإن أصرّ عليها, والإصرار عدم التوبة من الذنب، ولا يَكْفُر المرء به ما لم يستحل ذلك, والاستحلال منه قولي, ومنه عملي, فالقولي: هو جَعْل الحرام الصريح المجمع عليه حلالاً, وبنحوه - في المعنى- جَعْل الحلال الصريح المجمع عليه حرامًا دون تأويل فيهما, والتأويل عُذْر حتى يُزال عن صاحبه اللبس, وأما الاستحلال العملي فظاهر من حرص فاعل المعصية عليها, وفرحه بالظَّفَر بها, والصواب أنه لا يُكَفَّر إلا بالاستحلال القولي, وإلا كفَّرنا كثيرًا من ذوي المعاصي والذنوب.
ومن الأدلة على أن الإصرار على الذنب ليس كفرًا مخرجًا من الملة: قوله تعالى: [إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] {النساء:48} فقسَّمت الآية الذنوب إلى قسمين، وهما: الشرك، وما دونه، وحكمتْ بحكمين؛ الأول: أن الشرك لا يُغفر، أي إذا لم يتب صاحبه، فإنه لا يكفِّر الشرك إلا التوبة، والثاني: المغفرة لمن شاء الله له ذلك، ممن وقع فيما هو دون الشرك، أي دخول الشخص تحت المشيئة، وهذا فيمن لم يتب، وإلا لو تابوا لغُفر لهم جميعًا، لا لبعضهم الذي يشاء الله ذلك له، دون التائب الآخر، فإن الله عز وجل يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، والتوبة تجُبُّ ما قبلها، فدلت الآية على أن من يدخل تحت المشيئة ليس تائبًا، وهذا هو تعريف المُصِرُّ على ذنبه، ولو كان مشركًا بإصراره؛ لأُلحق بالقسم الأول، فلما غايرت الآية بينهما؛ دل ذلك على تغاير أحكامهما، والله أعلم.
ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى فيمن يرمون المحصنات: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ(4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(5) ] {النور}.
فالآية الكريمة قد ذكرت ثلاث عقوبات لمن قذفوا امرأة محصنة:
أ- الجلْد.
ب- رد شهادتهم على الأبدية، أي كلما قدَّموا شهادتهم رُدَّتْ.
ج- الحكم بفسقهم.
ثم استثنت الآية الثانية بعد ذلك التائبين، ومعلوم أن من لم يتب حتى جُلِد، فلا مجال بعد ذلك لاستدراك أمر الجلْد بعد التوبة، وأما الحكم برد الشهادة الأبدية، كما في قوله تعالى: [وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً  أَبَدًا] فإنه دليل على بقاء حياة القاذف بعد الحد وقبل وبعد التوبة، ولو كان كافرًا لضُربت عنقه، لحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه"([2]).
فطالما أنه حَيٌّ، ويعرض شهادته في أمور دنيوية أخرى أو دينية، ويُكْتَفَى برد شهادته فقط؛ كل هذا دليل على عدم كفره، مع أنه لم يتب، لأنه لو تاب لقُبلت شهادته، ورُفع عنه حكم الفسْق، وثبتت له العدالة.
فهذا قاذف، والقذف من كبائر الذنوب، ومُصِر على القَذْف، ولم يتب منه، ومع ذلك فهو حَيٌّ يعرض شهادته من حين لآخر، فيُكتفى بردها فقط دون قتله، فكل هذا يدل على إسلامه مع إصراره على ما هو دون الشرك، فالْمُصِرُّ من جملة أهل الإسلام، لا من الكفرةُ المشركين، وليس هذا من باب فتح المجال للعصاة في الاستمرار عليها، فإن ذلك يجرّهم إلى الشرك الأكبر، ولكن ذلك في مقام دفع غلو من غلا في هذا الباب، والله أعلم.

الثاني عشر: المعلوم من الدين بالضرورة أَمْرٌ إضافي نسبي, يتغير من زمن إلى زمن, ومن مكان إلى مكان, ومن  شخص إلى آخر, فقد يكون أحد الواجبات معلومًا في زمن ما, أو مكان ما, أو لشخص ما, ولا يكون كذلك الأمر نفسه في زمن آخر, أو مكان آخر, أو لشخص آخر, ولذلك لا يُطبق كلُّ ما يُقرأ عن العلماء في هذا المعنى في أي زمان, أو مكان, أو على أي شخص حتى يُنظر: هل خالف المعلوم بالضرورة من الدين عنده, أو عند أهل زمانه وأمثاله, أم لا؟ وحديث حذيفة – رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "يَدْرُس الإسلام كما يَدْرُس  وشْي الثوب، حتى لا يُدرَى ما صيام، ولا صلاة، ولا نُسك، ولا صدقة، وليُسْرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها "فقال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يُعْرِض عليه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، قال: يا صلة، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار"([3]) فهذا دليل على أن هناك طوائف قد تجهل وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، بل وبقية الواجبات إلا كلمة التوحيد، وهل هناك معلوم من الدين بالضرورة أشهر من هذه الأمور التي جهلتها هذه الطوائف؟ فالمسألة نسبية إضافية، تختلف من شخص لآخر، ومن زمن لآخر، ومن بلد لآخر، والله أعلم.

الثالث عشر: لابد من فهم كلام العلماء على مرادهم, لا على المعنى الحادث بعدهم, كقولهم: "من لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر" يريدون من لم يقر بأن حكم الله في التحليل والتحريم لازم له, وأنه داخل في جملة المخاطَبين به, والمكَلَّفين به, وأنه مُعَرَّض للوعيد إذا خالفه, فمن لم يُقرَّ بذلك فهو كافر, وهذا حق لا مِرْية فيه، فإن من لم يقرّ بذلك؛ لم يقرّ بأنه مُلْزَم بحكم الله عز وجل وحكم رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهل يشك أحد في كُفْر من كان كذلك؟ وليس المراد من هذه العبارة: من لم يتحاكم عمليًّا إلى الكتاب والسنة؛ فهو كافر، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "منهاج السنة"([4]): "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله؛ فهو كافر..." إلى أن قال: "بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحْكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى، كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفْر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم، التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله؛ فهم كفار، وإلا كانوا جُهالاً كمن تقدم أمرهم،...." إلى أن قال: "فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم؛ فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة" اهـ فتأمل إثباته الالتزام ظاهرًا وباطنًا، مع وجود المعصية واتباع الهوى في العمل، مما يدل على أن المراد بالالتزام الإقرار بالحكم وإعلان أنه لازم للمرء، ومخاطَب به، وهذا كله عمل قلبي، لا مجرد عمل الجارحة.  

الرابع عشر: يُفرِّق كثير من العلماء بين قوله: "فلان كافر", وقوله: "كَفَر فلان" أو "هذا كُفْر"، أو "الكُفْر" بالألف واللام، فلا بد من التأكد من عبارة العالم قبل نسبة القول بالتكفير إليه.
كما أن كثيرًا منهم يطلق الحكم بالكفر على من فعل كذا, ويعني بذلك بيان حكم الفعل أو القول أو الاعتقاد, لا الحكم على المعَّين، وقد سبق هذا مفصلاً، فلا يصح نسبة القول بالتكفير للعالم الفلاني إلا بعد معرفة وجْه كلامه.
(تنبيه): قد يقول قائل: الشخص الذي يعمل أمرًا مكفِّرًا، ولم نتمكن من إقامة الحجة عليه، إما لعدم قدرتنا على الوصول إليه، أو لعدم وجود من يقيم الحجة عليه، ويبين له حُكم الله فيما يقوم به، ويزيل الشُّبَهة العالقة بذهنه، والتي حملتْه على الوقوع فيما وقع فيه، ولم نعلم بمن أقام الحجة عليه من كبار العلماء، أو من اللجان العلمية، فما حكمه حتى يتم ذلك؟ وكيف نتعامل معه؟
الجواب: الأصل إبقاء حُكم الإسلام عليه، لأن الدين الذي ينتمي إليه، ويجب نصحه بالتي هي أحسن، والتحذير من اتباعه فيما ذهب إليه، والتعامل معه بما يوافق الشرع، فإن كان وليّ أمر؛ فالأصل السمع والطاعة له في المعروف، وعدم خَلْع اليد من الطاعة، وإن كان إمام مسجد، ويترتب على ترك الصلاة معه ترك الجماعة بالكلية، ويتعذر تغييره؛ فالأصل الصلاة وراءه، لأنه مسلم في الجملة، أما إن أمكن تغييره بلا فتنة أكبر، أو أمكن الصلاة خلف غيره في مسجد آخر؛ فتُترك الصلاة معه، إخمادًا لفتنته، ولأن الإمامة للخيار منا، للأحاديث الواردة في ذلك، والله أعلم.
 (خاتمة): لاشك أن الحوار العلمي الرصين سبب في صَدِّ الفتن ظاهرًا وباطنًا، بخلاف الاعتماد على القدرة والتنكيل بالمخالف، وعدم التعويل على الحوار العلمي؛ سبب لفتن كثيرة، وقد قال المأمون الخليفة العباسي: "غَلَبَةُ الحُجة أحبُّ إليَّ من غَلَبَة القدرة؛ لأن غَلَبَة القدرة تزول بزوالها، وغَلَبَةُ الحجة لا يُزيلها شيء" اهـ([5]).
هذا ما تيسَّر بيانه على وجه الاختصار، وإلا فالمقام يحتاج إلى مزيد إضافة أدلة وآثار تؤكد صحة هذه الضوابط.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
كتبه:
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
دار الحديث بمأرب
20/10/1430هـ




([1]) أخرجه البخاري (6016).
([2]) البخاري رقم (3017).
([3]) أخرجه ابن ماجه (4049) والحاكم (4/473 ، 545) وهو صحيح.
([4]) (5/130-131).
([5]) "تاريخ بغداد" (1/479) ، (11/434) ترجمة عبد الله أمير المؤمنين المأمون بن هارون الرشيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق